مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: أمثولة الكهف لأفلاطون

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

كثيرا ما يقع استهجان ما هو نظريّ ومجرّد فيُماهى بينه وبين ما هو خياليّ وزائف، ويعتقد في المقابل أنّ الواقع الفعليّ هو ما هو عينيّ وما هو معطى في التجربة الحسيّة أو مدرَك حسيّا. ولكنّ أسبابا عديدة تدعونا إلى التشكيك في "واقعيّة" معطيات التجربة الحسيّة وفي مصداقيّة المعرفة المقترنة بها. وقد كان لأفلاطون السبق في تشخيص الاعتقاد في واقعيّة معطيّات التجربة الحسيّة والاعتقاد في بداهة الإدراك الحسيّ، والعمل مقابل ذلك على تأسيس قيمة النظر العقليّ.

أمثولة الكهف

سقراط: ... تخيّل رجالا قبعوا في مسكن تحت الأرض في شكل كهف تُطِلُّ فتحته على النور ويليها ممرّ يوصل إلى الكهف، هناك ظلّ هؤلاء النّاس منذ طفولتهم وقد فُّدت أرجلهم وأعناقهم بأغلال بحيث لا يستطيعون التحرّك من أماكنهم ولا رؤية أيّ شيء سوى ما يقع تحت أنظارهم إذ تمنعهم الأغلال من التلفّت حولهم، ومن ورائهم تضيء نار اشتعلت عن بعد في موقع عال، وبين النّار والسجناء طريق مرتفع، ولتتخيّل على طول هذا الطريق جدارا صغيرا مشابها لتلك الحواجز التي نجدها في مسرح العرائس المتحرّكة والتي يقيمها اللاعبون أمام الجمهور ليعرضوا عليها ألعابهم.

غلوكون: إنّي لأتخيّل ذلك.

سقراط: ولتتصوّر الآن على طول الجدار الصغير، رجالا يحملون أشياء شتى تعلو الجدار كما يحملون تماثيل لأناسٍ ولحيوانات صُنعت من الحجارة أو من الخشب أو من مواد أخرى مختلفة. وطبيعيّ أنْ يكون بين حملة هذه المصنوعات من يتكلّم ومن هو صامت.

غلوكون: إنّها صورة غريبة تصف نوعا غريبا من السجناء.

سقراط: إنّهم ليشبهوننا، وبالفعل هل تعتقد بداية أنّ السجناء في موقعهم ذاك لا يرون من أنفسهم ومن الآخرين شيئا غير الظلال التي تلقيها النّار على الجدار المواجه لهم من الكهف ؟

غلوكون: وكيف يكون الأمر على خلاف ذلك ما داموا عاجزين طوال حياتهم عن تحريك رؤوسهم ؟

سقراط: أوليس الأمر كذلك فيما يتعلّق بالأشياء التي تمرّ أمامهم ؟

غلوكون: بلا جدال.

سقراط: وإن أمكنهم إذن أن يتخاطبوا فيما بينهم ألا تظنّهم يعتقدون أنّ كلماتهم تُشيرُ إلى الأشياء الواقعيّة نفسها ؟

غلوكون: هذا ضروريّ.

سقراط: وإن كان هناك صدى يتردّد من الجدار المواجه لهم، أفلا يظنّون أنّه كلّما تحدّث أحد الذين يمرون من ورائهم، أنّ الصوت آت من شيء آخر غير الظلّ الذي يمرّ أمامهم ؟

غلوكون: لا وحقّ "زوس"!

سقراط: يقيني أنّ هؤلاء النّاس لا يُضفون صفة الواقعية على شيء آخر غير ظلال الأشياء المصنوعة.

غلوكون: لا مفرّ من ذلك.

أفلاطون: الجمهورية، الكتاب السابع

تقديم المؤلف

أفلاطون

أفلاطون (427-347 ق.م) فيلسوف يوناني كلاسيكي، رياضياتي، كاتب لعدد من الحوارات الفلسفية، ومؤسس لأكاديمية أثينا التي كانت أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي. يعتبر أفلاطون من أهم الشخصيات في تطور الفلسفة الغربية. كان تلميذاً لسقراط ومعلماً لأرسطو. كتب أفلاطون عن مواضيع فلسفية عديدة تشمل الفلسفة السياسية، علم الجمال، نظرية المعرفة، علم الكونيات، علم اللغة، وفلسفة العقل. من أشهر أعماله "الجمهورية" التي تتناول مفهوم العدالة والنظام السياسي المثالي، و"فيدون" الذي يناقش خلود النفس، و"المأدبة" الذي يتناول مفهوم الحب. تميزت فلسفة أفلاطون بنظرية المُثُل التي ترى أن العالم الحسي ما هو إلا انعكاس لعالم المُثُل الأبدي الثابت.

المفاهيم والمصطلحات

  • الأمثولة: (allegorie) قصّة تلجأ إلى الرمز الحسيّ من أجل توضيح أفكار مجرّدة. تستخدم الأمثولة صوراً حسية لتوصيل مفاهيم فلسفية عميقة.
  • الكهف: يرمز إلى العالم الحسي الذي نعيش فيه، وهو عالم الظلال والوهم حيث يعيش البشر مقيدين بحواسهم.
  • السجناء: يمثلون البشر الذين يعيشون في العالم الحسي مقيدين بحواسهم، لا يرون إلا ما هو أمامهم ولا يدركون الحقيقة.
  • النار: مصدر ضوء اصطناعي يرمز إلى المصادر المشوهة للمعرفة مثل الرأي العام والتقليد والثقافة السائدة.
  • الظلال: تمثل المعرفة الحسية الناقصة التي يعتقد السجناء أنها الحقيقة المطلقة.

أسئلة الفهم والتحليل

  1. أرصُدُ عناصر المَشهد الّذي تصفه الأمثولة وأتأوّلُ دلالتها الفلسفيّة.
  2. ما هي درجاتُ المعرفة الّتي تتحقّق للسّجناء داخل الكهف ؟ ماذا يُمكن أن نعيبَ عليها ؟ عدّد الصّيغ الدّالّة على هذا العيب في النّصّ ؟
  3. تخيّل سقراط حاضرًا بيننا اليوم : أيّة قيود يُمكنه تشخيصُها في حياتنا اليوميّة ؟ حرّر فقرة في الغرض واعرضها للحوار مع رفاقك.

إجابات مقترحة

الإجابة عن السؤال الأول:

عناصر المشهد في أمثولة الكهف ودلالاتها الفلسفية:

الكهف: يمثل العالم الحسي الذي نعيش فيه، وهو عالم الظلال والوهم.
السجناء: هم البشر الذين يعيشون في هذا العالم مقيدين بحواسهم، لا يرون إلا ما هو أمامهم.
الأغلال: ترمز إلى قيود الجسد والحواس التي تمنعنا من رؤية الحقيقة.
النار: مصدر ضوء اصطناعي يرمز إلى المصادر المشوهة للمعرفة (كالرأي العام والتقليد).
الطريق المرتفع والجدار الصغير: يمثلان الوسائط التي تقدم لنا صور مشوهة عن الواقع (كالإعلام والثقافة السائدة).
التماثيل والأشياء المحمولة: تمثل الأشياء الحقيقية في العالم العقلي، ولكن السجناء لا يرون سوى ظلالها.
الظلال: تمثل المعرفة الحسية الناقصة التي يعتقد السجناء أنها الحقيقة.
الصدى: يرمز إلى المعلومات المغلوطة التي تصل إلى السجناء فيعتقدون أنها حقيقية.

الدلالة الفلسفية: تهدف الأمثولة إلى بيان أن المعرفة الحسية ناقصة ومشوبة بالوهم، وأن المعرفة الحقيقية هي المعرفة العقلية المجردة. كما ترمز إلى رحلة الفيلسوف في الخروج من عالم الظلال (العالم الحسي) إلى عالم النور (العالم العقلي) وعودته لمحاولة تحرير الآخرين.

الإجابة عن السؤال الثاني:

درجات المعرفة داخل الكهف:

1. المعرفة الحسية: وهي محدودة بالظلال التي يرونها على الجدار.
2. الاعتقاد في واقعية الظلال: حيث يعتقدون أن الظلال هي الأشياء الحقيقية.

العيوب في هذه المعرفة:
- أنها معتمد على الحواس وهي خادعة.
- أنها غير قادرة على إدراك الحقائق المجردة.
- أنها تقبل بالوهم على أنه حقيقة.

الصيغ الدالة على هذا العيب في النص:
- "ألا تظنهم يعتقدون أنّ كلماتهم تُشيرُ إلى الأشياء الواقعيّة نفسها ؟"
- "أفلا يظنّون أنّه كلّما تحدّث أحد الذين يمرون من ورائهم، أنّ الصوت آت من شيء آخر غير الظلّ الذي يمرّ أمامهم ؟"
- "يقيني أنّ هؤلاء النّاس لا يُضفون صفة الواقعية على شيء آخر غير ظلال الأشياء المصنوعة."

الإجابة عن السؤال الثالث:

لو كان سقراط بيننا اليوم، لشخّص العديد من القيود في حياتنا اليومية، منها:

- التبعية للتقنية والأجهزة الذكية: حيث أصبحنا نعيش في عالم افتراضي، نشاهد فيه صورًا ورسائل متعددة، ونعتقد أن هذه هي الحقيقة، بينما هي مجرد تمثيلات مشوهة للواقع.
- الرأي العام والإعلام: يمارس الإعلام دورًا مشابهًا للنار في الكهف، حيث يقدم لنا صورًا ونماذج نعتقد أنها الحقيقة، بينما هي محض اصطناعات.
- الاستهلاكية والمادية: نحن مقيدون بملذات العالم المادي واستهلاك منتجات لا نعرف حقيقتها، مما يشبه ظلال الكهف.
- عدم التفكير النقدي: نحن نتبع آراء الآخرين دون تمحيص، كما كان السجناء يتخاطبون معتقدين أن كلماتهم تشير إلى الأشياء الواقعية.

لقد أصبحنا سجناء في كهف حديث، مقيدين بتقنياتنا وأفكارنا المسبقة، ونحتاج إلى من يحررنا من هذه الأغلال بالتفكير النقدي والسؤال الفلسفي.

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

تطرح أمثولة الكهف لأفلاطون فكرة أن المعرفة الحسية ناقصة ومشوبة بالوهم، وأن المعرفة الحقيقية هي المعرفة العقلية المجردة. كما تؤكد على ضرورة الخروج من العالم الحسي إلى العالم العقلي لفهم الحقائق المطلقة.

آليات عمل الوهم:

تعمل آليات الوهم في الكهف من خلال:
- القيود الحسية: حيث أن السجناء مقيدون ولا يستطيعون رؤية إلا ما هو أمامهم.
- مصادر الضوء الاصطناعي: النار تخلق ظلالاً يتم الخلط بينها وبين الواقع.
- الوسائط: كالجدار الصغير والأشياء المحمولة التي تخلق صورًا مشوهة.
- اللغة والصدى: حيث يربط السجناء الكلمات والأصوات بالظلال، فيعتقدون أنها حقيقية.

نتائج الوهم:

- الجهل: عيش السجناء في ظلام دامس من الجهل.
- الاعتقاد في الزيف: اعتبار الظلال حقيقة مطلقة.
- عدم القدرة على إدراك الحقائق المجردة: كالعدالة والجمال والحقيقة في ذاتها.

دلالات وأبعاد المفهوم:

تمثل أمثولة الكهف رؤية أفلاطون للمعرفة والوجود. فالعالم الحسي هو عالم متغير وزائل، أما العالم العقلي فهو عالم المثل الثابتة والأبدية. الخروج من الكهف يرمز إلى رحلة التعليم الفلسفي التي تقود إلى المعرفة الحقيقية. كما أن عودة الفيلسوف إلى الكهف لتحرير الآخرين ترمز إلى واجب الفيلسوف في نشر الحكمة وتحقيق العدالة في المجتمع.