تحليل النص: الإشهار والتنويم - إريك فروم
التمهيد
يسود الاعتقاد لدى البعض أنّ الدعاية سواء في وجهها التجاري أو السياسي هي تعبير عن مدى تأصّل الحريّة في مجتمعات تقوم على التنافس الاقتصادي والديمقراطيّة السياسية بحيث لا تفعل الإعلانات سوى تقديم المعطيات الضروريّة للاختيار بين ما يُعرض من بضائع ومن برامج سياسيّة. فهل يعكس هذا الاعتقاد حقيقة الدعاية أم أنّ الأمر يقتضي نظرا وتمحيصا لمعرفة بنيتها والوقوف على آليّات اشتغالها ؟
النص: الإشهار والتنويم
يجب حظرُ كل أساليب غسل المخ (1) المستخدمة في الإعلانات السياسيّة والصناعية. فخطورة أساليب غسل المخّ تلك لا تقتصر على دفعنا إلى شراء أشياء لا نريدها، ولسنا بحاجة إليها، وإنما هي أيضا تقودنا لاختيار ممثّلين سياسيين لا يمكن أن نريدهم، أو نحتاج إليهم لو كنّا مالكين تماما لقدراتنا الذهنية. فالحقيقة أنّ أساليب الإعلان التي توجّهنا نجحت في جعلنا غير مالكين تماما لقدراتنا الذهنية بفضل التشابه بين تلك الأساليب وأساليب الإيحاء المتبعة في التنويم المغناطيسي [2]. ولدرء هذا الخطر يجب منع الأساليب الإيحائيّة المغيّبة للعقل في الدعاية للسلع وللسياسيين. إنّ الأساليب الإيحائيّة شبه التنويمّة المستخدمة في الإعلانات التجاريّة والدعاية السياسيّة تعدّ خطرا كبيرا على الصحة العقليّة، وخصوصا على الصفاء الذهني والتفكير النقدي واستقلاليّة الوجدان(3). ولا شك عندي أنّ دراسة استقصائية جادّة يُمكن أن تثبت أنّ الأضرار التي تلحقها المخدّرات بالعقل ليست إلا جزءا يسيرا بالقياس للأضرار التي تحدثها أساليب غسل المخّ تلك، بدءا من الإيحاءات التي تعمل من تحت الوعي إلى الأساليب المشابهة لأساليب التنويم، مثل التكرار المستمر وتحويل وجهة التفكير العقلانيّ بإثارة الغرائز وشهوة الجنس (5).
على تعطيل العقل الإنساني من قذفه بهذا الوابل الذي لا يتوقف من الأساليب الإيحائية، وخصوصا في إعلانات التلفاز التجاريّة، وهذا الهجوم الضاري على الحقيقة وعلى الإحساس بالواقع يلاحق الأفراد في كل وقت وفي كل مكان أثناء الساعات العديدة التي يقضونها كل يوم في مشاهدة التلفاز، وأثناء قيادة السيارات وهم على طرق السفر، وأثناء المعارك الانتخابية السياسية، وغير ذلك كثير.
المميّز لهذه الأساليب الإيحائية هو أنّها تخلق مُناخا عاما بين اليقظة والنوم، بين التصديق والتكذيب، وأنّها تُفقِد الإنسان الإحساس بالحقيقة.
اريك فروم : الإنسان بين الجوهر والمظهر (ترجمة سعد زهران)، سلسلة عالم المعرفة 1989. عدد140 ص202-203
تقديم المؤلف
المفاهيم والمصطلحات
- غسل المخ: مجاز للتعبير عن مدى عمق تأثير التقنيات المعتمدة في بناء الإعلانات التجارية والسياسية بسبب ما تتوفّر عليه من قدرة على إعادة تشكيل شخصية الأفراد وتحديد أنماط وعيهم وسلوكهم بحيث تحطّم كل ما يتشكّل خارجها وتمحوه.
- التنويم المغناطيسي: إشارة إلى مدى التشابه بين التقنيات المتبعة في بناء الرسائل الإعلانية والتقنيات المتّعة في الإيحاء أثناء التنويم المغناطيسي. ففي الحالتين ثمّة تغييب للوعي والإرادة واستقلالية القرار.
- استقلالية الوجدان: قدرة الفرد على تكوين آرائه وقيمه بشكل مستقل دون تأثر بالضغوط الخارجية أو التلاعب بالإدراك.
- التكرار المستمر (المطرَقة): أسلوب إعلاني يعتمد على تكرار الرسالة الإعلانية بشكل مكثف لتثبيتها في اللاوعي وتجاوز العقل النقدي.
أسئلة الفهم والتحليل
- كيف تفهم المماثلة التي يقيمها الكاتب بين شراء بضائع لا نحتاجها واختيار سياسيين غير أَكْفَاء؟
- ابحث عن معلّقات إشهارية وبيّن آليّات اشتغالها.
- كيف يمكن أن يكون للتكرار المستمر وللربط بين موضوعات الإعلان والغرائز هذا المفعول القويّ القادر على تغييب العقل ؟
- هل ترى أنّ للإنسان القدرة على أن يحافظ على استقلاله وحسّه النقديّ في مواجهة الحصار الدعائيّ المضروب عليه ؟
- هل يشترط التحرّر من سلطة الدعاية تَصوّر عالم خال منها ؟ أم يشترط تصوّرا جديدا لها يُفرغها من طابعها التنويميّ التضليليّ لتتناغم مع الحريّة ؟
إجابات مقترحة
الإجابة عن السؤال الأول:
المماثلة التي يقيمها الكاتب بين شراء بضائع لا نحتاجها واختيار سياسيين غير أكفاء تنبع من حقيقة أن الآليات نفسها المستخدمة في الإعلانات التجارية تستخدم أيضاً في الدعاية السياسية. ففي الحالتين، تُستخدم تقنيات الإيحاء وتغييب العقل لإقناع الناس باتخاذ قرارات لا تتوافق مع مصالحهم الحقيقية. فكما أن الإعلانات التجارية تدفعنا لشراء منتجات لا نحتاجها، فإن الدعاية السياسية تدفعنا لاختيار ممثلين سياسيين لا يخدمون مصالحنا الحقيقية.
الإجابة عن السؤال الثاني:
آليات اشتغال المعلقات الإشهارية تشمل:
- التكرار المستمر: لتثبيت الرسالة في اللاوعي
- الربط بالغرائز: كربط المنتج بالجنس أو القوة أو النجاح
- استخدام الرموز والإيحاءات: التي تعمل تحت مستوى الوعي
- خلق حالة من اليقظة المشوشة: بين النوم واليقظة
- استغلال العواطف: بدلاً من مخاطبة العقل
هذه الآليات تشبه تقنيات التنويم المغناطيسي في قدرتها على تخطي العقل الواعي والتأثير مباشرة على اللاوعي.
الإجابة عن السؤال الثالث:
التكرار المستمر والربط بين موضوعات الإعلان والغرائز لهما مفعول قوي في تغييب العقل لأن:
- التكرار: يخلق مسارات عصبية في الدماغ تجعل الرسالة تلقائية وغير خاضعة للنقد
- الربط بالغرائز: يتجاوز العقل الواعي ويخاطب دوافع أولية قوية
- الاثنان معاً: يخلقان حالة من الاستعداد النفسي لقبول الرسالة دون تمحيص
هذه التقنيات تشبه التنويم المغناطيسي في قدرتها على تخطي الحواجز النقدية للعقل الواعي.
الإجابة عن السؤال الرابع:
نعم، للإنسان القدرة على الحفاظ على استقلاله وحسه النقدي، لكن ذلك يتطلب:
- الوعي بآليات التأثير: معرفة كيف تعمل تقنيات الإعلان
- التفكير النقدي: تدريب العقل على التساؤل والشك
- الحد من التعرض: تقليل وقت التعرض للإعلانات
- التعليم الإعلامي: تعلم كيفية تحليل الرسائل الإعلامية
- تطوير الوعي الذاتي: معرفة احتياجاتنا الحقيقية
هذه المهارات تمكن الفرد من حماية نفسه من التأثير غير الواعي للإعلانات.
الإجابة عن السؤال الخامس:
التحرر من سلطة الدعاية لا يشترط بالضرورة تصور عالم خالٍ منها، بل يتطلب:
- تصوراً جديداً للدعاية: يفرغها من طابعها التنويمي التضليلي
- دعاية أخلاقية: تقدم معلومات صادقة وشفافة
- تناغم مع الحرية: احترام حرية المستهلك في الاختيار الواعي
- تشريعات تنظيمية: تحظر الأساليب المخادعة والمضللة
- توعية مجتمعية: لتعزيز المناعة النقدية لدى الأفراد
الهدف هو تحويل الدعاية من أداة للتلاعب بالوعي إلى وسيلة للمعلومات الشفافة.
تحليل النص
الأطروحة الأساسية:
يطرح إريك فروم فكرة أن الإعلانات التجارية والدعاية السياسية تستخدم تقنيات تشبه التنويم المغناطيسي في قدرتها على تغييب العقل والتأثير على القرارات بشكل لا واعي. هذه التقنيات تشكل خطراً على الصحة العقلية والحرية الفردية، وتستدعي تدابير وقائية لحماية الأفراد من تأثيرها.
آليات عمل الدعاية:
تعمل آليات الدعاية من خلال عدة تقنيات رئيسية:
- غسل المخ: إعادة تشكيل الوعي والسلوك
- الإيحاء تحت الوعي: التأثير على القرارات دون وعي الأفراد
- التكرار المستمر: تثبيت الرسائل في اللاوعي
- إثارة الغرائز: ربط المنتجات بالدوافع الأولية
- خلق حالة وسطية: بين اليقظة والنوم تضعف الحس النقدي
هذه الآليات تشبه تقنيات التنويم المغناطيسي في قدرتها على تخطي العقل الواعي.
نتائج تأثير الدعاية:
يؤدي تأثير الدعاية إلى:
- فقدان السيطرة على القدرات الذهنية: يصبح الأفراد غير مالكين لقراراتهم
- تدهور الصحة العقلية: فقدان الصفاء الذهني والتفكير النقدي
- انتهاك استقلالية الوجدان: فقدان القدرة على تكوين آراء مستقلة
- اتخاذ قرارات غير عقلانية: شراء منتجات غير ضرورية واختيار سياسيين غير أكفاء
- فقدان الإحساس بالحقيقة: عدم التمييز بين الواقع والإيحاء
دلالات وأبعاد المفهوم:
يحمل تحليل فروم للدعاية دلالات عميقة تتجاوز النقد الإعلاني إلى أبعاد فلسفية وسياسية. فالدعاية تمثل شكلاً من أشكال الهيمنة الحديثة التي تهدد الحرية الفردية والديمقراطية. تحليل فروم يسلط الضوء على التناقض بين الظاهر (مجتمعات حرة تنافسية) والواقع (مجتمعات مسيرة بإعلانات مضللة). النص يدعو إلى يقظة نقدية وإلى إعادة تعريف العلاقة بين الفعل الإعلاني والقيم الديمقراطية الأساسية.