تحليل النص: الإشهار بين الأمس واليوم - هنري لوفيفر
التمهيد
لقد أضحى الإشهار مستغرقا لكل مجالات الحياة اليومية وبالغ التأثير في توجيه ميولات الأفراد وتفكيرهم ووجدانهم ولعلّه تحوّل إلى قوّة لها من النجاعة في التوجيه ما صار يلزمنا أكثر من أي وقت مضى بتشريح آليّاته ورصد ما يستثمره من وسائل.
النص
يُنتج الإشهار أساطير أو بالأحرى لا يُنتج شيئا، وإنّما يستحوذ على أساطير سابقة. إنّه يصرف الدَوال1 صوب هدف مزدوج: فهو يعرضها كما هي للاستهلاك بوجه عام، ويحفّز على الاستهلاك المحدّد لشيء ما. على هذا النحو يستعيد الإشهار الأساطير2.
يتّخذ الإشهار أهمّية إيديولوجيا ما3، هي إيديولوجيا البضاعة التي أضحت تُعوّض ما كان يُمثّل فلسفة وأخلاقا ودينا وإستطيقا4. لقد ولّى الزمن الذي كان الإشهاريون يدّعون فيه "لتشريط5 الذوات" المستهلكة بتكرار شعار ما. فالصيغ الإشهارية الأكثر براعة تُخفي اليوم رؤية للعالم6 ... هكذا يُقال لكم كيف تحيون دائما حياة أفضل: ماذا تأكلون وماذا تشربون وأيّ ثياب ترتدون؟ وكيف تسكنون منازلكم وتؤثّونها ؟ ها قد تمّت برمجتکم.
هنري لوفيفر. الحياة اليومية في العالم الحديث. ترجمة لجنة التأليف
Henri Lefebvre, La vie quotidienne dans le monde moderne. Edt. Gallimard 1968, p200-204
تقديم المؤلف
المفاهيم والمصطلحات
- الدَوال: مفردها دالٌ وهو مصطلح استعمله دي سوسير مؤسّس علم الألسنية للتعبير عن الوجه الصوتي للعلامة اللسانية، أما المدلول فهو الوجه التصوَري للعلامة. والعلامة اللسانية هي الوحدة اللغوية الدنيا للجملة ويعرّفها دي سوسير بأنَها ((المجموع الناتج عن الجمع بين الدال والمدلول)). والإحالة في السياق هي على مختلف الرموز التي يستثمرها الخطاب الإشهاري بهدف تحقيق استهلاك رمزي ومادي في آن.
- الأساطير: الأسطورة هي أول شكل للوعي البشري وهي بمثابة قصَة عجائبية تعبّر عن طموحات البشر ومخاوفهم من خلال أحداث خارقة للطبيعة أبطالها آلهة أو أنصاف آلهة. وهي فضلا عن ذلك رؤية للعالم تضطلع بوظيفة تفسيرية لنشأة الكون ولبعض الظواهر الطبيعية ولعادات الشعوب وتقاليدها. والإشهار، في سياق النص، يستثمر هذا البعد العجائبي وما يقترن به من مخاوف وطموحات في الدعاية.
- الإيديولوجيا: إشارة إلى أنّ الإشهار لم يعُد مجرّد تقنية تسويق بقدر ما هو حامل لرؤية للعالم ومعبّر عن مصالح معيّنة.
- الإستطيقا: مبحث يتعلّق بالإحساس الجمالي والتذوّق الفنّي. وسياقيّا هو أقرب للدلالة على رؤية جمالية للعالم.
- التشريط: يفهم في هذا السياق كآلية تكييف تقوم على التكرار قصد خلق ردود فعل قابلة للتحكّم والتوجيه. ولقد اقترنت هذه الآلية بعلم النفس الحيواني وبأعمال "بافلوف" حول المنعكسات الشرطية.
- رؤية للعالم: الرؤية تمثّل موحَّد ومنسجم للعالم يهدف إلى إضفاء معنى على وجود الإنسان فيه. من ذلك الرؤية الدينية، الرؤية الفنية، الرؤية العلمية ...
أسئلة الفهم والتحليل
- استحضر ومضات إشهارية شاهدتها تقدّر أنّها استثمرت الموروث الثقافي.
- ما هي المظاهر المعبّرة عن مفعول الإشهار في الحياة اليومية للإنسان المعاصر ؟
- هل بالإمكان أن نصغي إلى المقتضى الاقتصادي للإشهار دون أن نفرّط في المقتضى القيمي للمعيش ؟
إجابات مقترحة
الإجابة عن السؤال الأول:
من الأمثلة على الإشهارات التي تستثمر الموروث الثقافي:
- الإشهارات التي تستخدم الرموز الدينية: مثل استخدام رموز دينية في إشهارات المنتجات لخلق شعور بالألفة والثقة.
- الإشهارات التي تستغل التراث الشعبي: مثل استخدام الأغاني والأمثال الشعبية في الحملات الإعلانية.
- الإشهارات التي تعتمد على الأساطير: مثل استخدام شخصيات أسطورية أو قصص شعبية في الإعلانات.
- الإشهارات التي تستثمر العادات والتقاليد: مثل التركيز على قيم العائلة والتضامن في الإعلانات الموجهة للمجتمعات التقليدية.
- الإشهارات التي تستخدم الرموز الوطنية: مثل الأعلام والألوان الوطنية في الحملات التسويقية.
الإجابة عن السؤال الثاني:
من المظاهر المعبرة عن مفعول الإشهار في الحياة اليومية:
- توجيه أنماط الاستهلاك: حيث يحدد الإشهار ما يجب شراؤه واستهلاكه.
- تشكيل الهوية الشخصية: حيث يصبح الاستهلاك وسيلة للتعبير عن الذات والانتماء.
- خلق احتياجات وهمية: حيث يخلق الإشهار احتياجات غير حقيقية لدفع المستهلكين للشراء.
- تأثير على القيم والمعتقدات: حيث يروج الإشهار لقيم الاستهلاك والمادية.
- تأثير على العلاقات الاجتماعية: حيث يصبح الاستهلاك معياراً للنجاح الاجتماعي.
- برمجة الحياة اليومية: كما يشير لوفيفر، حيث يحدد الإشهار كيفية العيش وتأثيث المنازل وغيرها.
الإجابة عن السؤال الثالث:
نعم، يمكن الموازنة بين المقتضى الاقتصادي للإشهار والمقتضى القيمي من خلال:
- الإشهار الأخلاقي: الذي يحترم القيم الإنسانية ولا يستغل الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
- الشفافية: تقديم معلومات صادقة وواضحة عن المنتجات والخدمات.
- احترام الذكاء الجماعي: عدم التعامل مع المستهلكين ككائنات سلبية قابلة للتشريط.
- تعزيز القيم الإيجابية: استخدام الإشهار لنشر قيم المسؤولية الاجتماعية والاستدامة.
- الوعي النقدي: تطوير قدرة الأفراد على تحليل الرسائل الإشهارية وفك شفراتها.
- التنظيم القانوني: وضع قوانين تحمي المستهلك من الممارسات الإشهارية غير الأخلاقية.
تحليل النص
الأطروحة الأساسية:
يطرح هنري لوفيفر فكرة أن الإشهار لم يعد مجرد أداة تسويقية، بل تحول إلى قوة إيديولوجية تهدف إلى برمجة الحياة اليومية للأفراد. فالإشهار يستحوذ على الأساطير والرموز الثقافية ويحولها إلى أدوات للترويج للاستهلاك، مما يجعل منه أداة فعالة في تشكيل وعي الأفراد وتوجيه سلوكهم.
آليات عمل الإشهار:
تعمل آليات الإشهار من خلال:
- استحواذ على الأساطير: حيث يستعيد الإشهار الأساطير القديمة ويحولها إلى رموز ترويجية.
- توجيه الدلالات: حيث يصرف الدوال نحو أهداف استهلاكية محددة.
- إيديولوجيا البضاعة: حيث يحل منطق السوق مكان الفلسفة والأخلاق والدين.
- التشريط: حيث يستخدم التكرار لخلق ردود فعل قابلة للتوجيه.
- إخفاء الرؤية للعالم: حيث تخفي الصيغ الإشهارية المتطورة رؤية معينة للعالم.
- برمجة الحياة اليومية: حيث يحدد الإشهار كيفية العيش وتأثيث المنازل وغيرها.
نتائج سيطرة الإشهار:
تؤدي سيطرة الإشهار إلى:
- استلاب الوعي: حيث يصبح الأفراد مجرد مستهلكين سلبيين.
- تفريغ الثقافة من مضمونها: حيث تتحول الرموز الثقافية إلى أدوات تسويقية.
- هيمنة إيديولوجيا الاستهلاك: حيث يصبح الاستهلاك هو المعيار الأساسي للقيمة.
- فقدان الاستقلالية: حيث تفقد الذات قدرتها على اتخاذ القرارات المستقلة.
- تآكل القيم التقليدية: حيث تحل قيم السوق مكان القيم الأخلاقية والروحية.
دلالات وأبعاد المفهوم:
يمثل نقد لوفيفر للإشهار مدخلاً لفهم إشكالية العصر الحديث. فهو يبرز الصراع بين الذات والآلة الاستهلاكية، وبين الحرية والتشريط. كما يوضح ضرورة النقد الجذري للحداثة والوعي بآليات الهيمنة في المجتمعات المعاصرة. ويدفع نحو تأسيس وعي نقدي قادر على مقاومة برمجة الحياة اليومية واستعادة الاستقلالية الإنسانية.