مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: الجماهير والحشود - قابريال تارد

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

لما كانت اجتماعية الإنسان شرط إمكان رقيّه الفكري والوجداني والخلقي، فإنّها تبدو سمة نوعية إيجابية في تاريخ الفرد، لكن الوجود مع الآخرين بقدر ما يؤمّن ثراء الأفراد يهدّد بتفقيرهم، ولعلّ ذلك ما تفطّن إليه قابريال تارد من خلال تشخيص آليات حركة الجماهير والحشود. فما هي انعكاسات هذا الوجود مع الآخرين على استقلالية الأفراد وعلى نضج السلوك الجماعي؟

النص: الجماهير والحشود

إنّ الجماهير شأنها شأن الحشود1 متعصّبة ومتكبّرة ومتبجّحة ومدّعية، فهي تروم، باسم الرأي العام، جعل الكلّ يتنازل لها حتّى الحقيقة نفسها عندما تزعجها. أليس من البيّن أنّه كلّما تعاظمت روح المجموعة وروح الجمهور، إن لم نقل، روح الحشد في مجتمعاتنا المعاصرة بفعل تسارع تيّارات التبادل الفكري2، فُقد لديها الإحساس بالاعتدال3 أكثر فأكثر. فيُغالى في تقدير الأشخاص والأعمال كما يتمّ إحباطها بنفس التسرّع. إنّ النقّاد الأدبيّين أنفسهم، وقد تحوّلوا إلى صدى مجامل لميولات قرّائهم، ما عادوا عارفين كيف يقدّرون أحكامهم ولا كيف يميّزون بينها بدقّة. فهم كغيرهم يهّلون أو يستهزؤون( ... ) وفي ذلك تذكّرنا الجماهير كما الحشود، شيئا ما بالمدمنين على الخمرة. وفي الواقع، إنّ الحياة الجماعية القويّة لهي، بالنسبة إلى الدماغ، خمرة مريعة.

قابريال تارد، الرأي والحشد، ترجمة لجنة التأليف، G.Tarde, L'opinion et la foule, edt: PUF, Paris 1989, 1re édition p 25

تقديم المؤلف

قابريال تارد

قابريال تارد (1843 - 1904) فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي. أشهر مؤلفاته قانون المحاكاة 1890. والمحاكاة أو التقليد عنده هي أساس تشكّل الجموع والجماهير وهي آلية تماه مع الآخر تفسّر تشكّل الظواهر الاجتماعية إلى جانب التأثير والتسلّط والمقاومة و((المحاكاة المضادّة)). عُرف بمناهضته للتصور العضوي الذي يماهي بين المجتمع والجسم، نظرا إلى أنّ المجتمع في تقديره فاقد في حركيّته للغائية وللانتظام الداخلي ولا يخلو من عشوائية كما عُرف بمناهضته للتصوّر التطوري للمجتمع لأن تطوّر المجتمع لا يتمّ دوما وفق حركة خطية وإنما وفق حركة قابلة للارتداد والانحراف. من مؤلّفاته: علم الإجرام المقارن (1896)، القوانين الاجتماعية (1898)، الرأي والحشد (1901).

الهوامش

  • «الحشود»: يميّز المؤلّف في ما تقدّم من كتابه بين الجماهير والحشود وهو يعتبر الرابطة الجماهيرية أرقى من وحدة الحشود التي تعبّر في تقديره عن نمط تجمّع حيواني يتحدّد سلوك أفراده عبر عدوى نفسية مترتبة عن الالتحام، في حين تتّسم الرابطة المكوّنة للجماهير بصبغة معنوية وروحية لا تستوجب تجاورا أو التحاما في المكان. لمزيد من التفاصيل أنظر الصفحة 9 والهامش رقم 1 من كتاب المؤلّف: الرأي والحشد. حيث يبيّن أنّ المجاز الأمثل للتعبير عن الحشود في حركتها ليس الجسم وإنما النهر الذي ليس له مجرى محدّد.
  • «التبادل الفكري»: ليس ثمّة لدى الكاتب ما يشير في هذه العبارة إلى التواصل الفعلي والمتكافئ بين الشعوب وإنما فقط إلى حركة الأفكار.
  • «الاعتدال»: منزلة وسطى بين الإفراط والتفريط وهي دالة على القوة إن كان الإفراط عنفا والتفريط ضعفا، وهي دالة على النقد البناء إن كان الإفراط انتقادا والتفريط تسليما آليا.

المهامّ

  1. اِستحضر وقائع دالة على ما ذهب إليه الكاتب بشأن تعصّب الجماهير؟
  2. ما هي في تقدير الكاتب الأسباب التي تقف وراء هذا التعصّب؟
  3. ابحث عن عيّنات من مجاملة النقّاد للجماهير والحشود. وبيّن كيف يمكن تفسير ذلك.
  4. ما مدى مشروعية المماثلة التي أقامها الكاتب بين الحياة الجماعية القوية والخمرة في علاقتهما بالدماغ؟

إجابات مقترحة

الإجابة عن السؤال الأول:

يمكن استحضار عدة وقائع تدل على تعصب الجماهير كما ذهب إليه تارد، منها ظاهرة الهتاف الجماعي في الملاعب الرياضية حيث تتحول الجماهير المتحمسة إلى كتلة واحدة تفتقد التمييز النقدي، وتتعصب لفرقها بشكل أعمى. كما نلاحظ في المظاهرات السياسية كيف تتحول الحشود إلى كيان واحد يفقد الأفراد فيه استقلاليتهم الفكرية وينصهرون في الرأي الجماعي. ومن الأمثلة الأخرى انتشار الشائعات والأفكار المتطرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتبناها الجماهير دون تمحيص أو نقد، مما يعكس فقدان الإحساس بالاعتدال الذي أشار إليه تارد.

الإجابة عن السؤال الثاني:

يرى تارد أن أسباب تعصب الجماهير تعود إلى عدة عوامل، أهمها ظاهرة "المحاكاة" التي تعتبر الأساس في تشكل الحشود والجماهير. فالأفراد في الحشود يقلدون بعضهم البعض، مما يؤدي إلى فقدان الاستقلالية الفردية وذوبان الشخصية في الكل الجماعي. كما أن تسارع تيارات التبادل الفكري في المجتمعات المعاصرة يساهم في تعاظم روح الجماعة على حساب الفردية. بالإضافة إلى ذلك، فإن النقاد والمفكرين أنفسهم يتحولون إلى مجرد أصداء لميولات القراء والجماهير، مما يعزز من ظاهرة التعصب ويفقدهم القدرة على التمييز الدقيق بين الأحكام.

الإجابة عن السؤال الثالث:

يمكن ملاحظة عينات من مجاملة النقاد للجماهير في مجال النقد الأدبي والفني، حيث نجد أن بعض النقاد يبالغون في مدح أعمال فنية رديئة لمجرد أنها تحظى بشعبية بين الجماهير. كما نلاحظ في المجال السياسي كيف يتحول بعض المحللين إلى مجرد مكبرات صوت للرأي العام السائد، بدلاً من تقديم تحليلات موضوعية. ويمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال حاجة النقاد إلى كسب رضا الجماهير والحفاظ على شعبيتهم، مما يدفعهم إلى مجاراتها في ميولاتها وأهوائها، بدلاً من قيادتها نحو الأفكار الأكثر نضجاً وعقلانية.

الإجابة عن السؤال الرابع:

المماثلة التي أقامها تارد بين الحياة الجماعية القوية والخمرة في علاقتهما بالدماغ تتمتع بدرجة عالية من المشروعية من الناحية السوسيولوجية والنفسية. فكما أن الخمرة تؤثر على العقل فتفقده توازنه وقدرته على التمييز، فإن الحياة الجماعية القوية تؤدي إلى تغييب العقل الفردي وطمس الشخصية المستقلة. فالحشد يشبه السكران في فقدانه للوعي النقدي واتخاذه قرارات متهورة وغير عقلانية. هذه المماثلة تبرز بشكل دقيق تأثير الجماعة على الفرد وكيف يمكن أن تفقده توازنه الفكري والنفسي، مما يجعل المقارنة ذات دلالة عميقة في فهم ظاهرة الحشود والجماهير.

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

يطرح تارد فكرة أن الحياة الجماعية القوية، سواء في شكل جماهير أو حشود، تؤدي إلى فقدان الاعتدال والاستقلالية الفردية، حيث تتحول الأفراد إلى كتلة واحدة متعصبة ومتبجحة تفقد القدرة على التمييز النقدي. فالحشد يشبه السكران في تأثيره على العقل، مما يجعله يفقد توازنه ويصبح عرضة للتأثيرات الجماعية العمياء.

آليات تشكل سلوك الجماهير:

يعتمد تارد في تحليله لسلوك الجماهير على مفهوم "المحاكاة" كآلية أساسية تفسر تشكل الظواهر الاجتماعية. فالأفراد في الحشود يقلدون بعضهم البعض، مما يؤدي إلى ذوبان الشخصية الفردية في الكل الجماعي. كما أن تسارع تيارات التبادل الفكري في المجتمعات المعاصرة يساهم في تعاظم روح الجماعة على حساب الفردية. ويضيف تارد أن النقاد والمفكرين أنفسهم يتحولون إلى مجرد أصداء لميولات القراء والجماهير، مما يعزز من ظاهرة التعصب ويفقدهم القدرة على التمييز الدقيق بين الأحكام.

نتائج سيطرة الروح الجماعية:

تؤدي سيطرة الروح الجماعية إلى عدة نتائج سلبية، منها فقدان الاعتدال في تقدير الأشخاص والأعمال، حيث يبالغ الحشد في الإعجاب أو الرفض بنفس التسرع. كما تفقد الجماهير الإحساس بالتمييز النقدي، وتتحول إلى كتلة واحدة متعصبة تفرض رأيها حتى على الحقيقة نفسها. ويشير تارد إلى أن الحياة الجماعية القوية تشبه الخمرة في تأثيرها على الدماغ، حيث تفقد العقل توازنه وتجعله عرضة للتأثيرات الجماعية العمياء.

دلالات وأبعاد المفهوم:

يمثل مفهوم "الجماهير والحشود" عند تارد مدخلاً لفهم إشكالية العلاقة بين الفرد والجماعة في المجتمعات المعاصرة. فهو يبرز الصراع بين الاستقلالية الفردية والذوبان في الكل الجماعي، وبين العقل النقدي والتأثير الجماعي الأعمى. كما يوضح ضرورة الحفاظ على الاعتدال والتمييز النقدي في مواجهة ضغوط الجماعة، ويدفع نحو تأسيس علاقة أكثر توازناً بين الفرد والمجتمع، قائمة على الاحترام المتبادل والحوار العقلاني، بعيداً عن التعصب والتبعية العمياء للرأي العام.