مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: آليات اشتغال الفكر المتعصب - آلان

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

جذور التّعصب ضاربة في عمق التاريخ. غير أنّ الإنسانية لم تتمكّن من مجاوزة مَفاعيله مجاوزة نهائية. ولعل استمرار هذه الظاهرة في التاريخ المعاصر وما اتخذته من صيغ وتلوينات مُهدِّدة للحياة صار يدعونا أكثر من أيّ وقت مضى إلى فهمه كظاهرة وذلك بردّه إلى أسبابه الحقيقية بدلا من أن نبقى في حدود إدانة نتائجه.

آليات اشتغال الفكر المتعصّب

شهدت كل الأزمنة متعصبين1 يرون أنفسهم شُرفاء، دونما شك. والجرائم التي اقترفوها إنما هي امتداد لفكرة أو دين أو تصوّر عن العدالة أو عن الحرية. ثمّة شئ من التقدير وأحيانا إعجاب خفيّ2 بأناس يخاطرون بحياتهم ودون رجاء أيّ امتياز من ذلك، إذ أنّنا لا نفخر البتة بادّخار الجهد والعزوف عن المخاطرة في سبيل ما نعتقد أنّه عادل أو حقّ. إنني أكتشف حقًا هاهنا فضائل نادرة تبعث على الاحترام، كما أكتشف على الأقلّ قدرا ما من الإرادة، غير أن ما ينبغي النظر إليه إنما هو الفكر. وهذا الفكر المُتحجّر والمنغلق، الذي لا ينظر إلاّ إلى جهة واحدة ولا يفهم البتّة فكر الآخرين، ليس هذا هو الفكر على الإطلاق ( ... ) ثمّة شيء من الآلية في الفكر المتعصّب لأنه يعود دوما من نفس الدروب، فهو لم يعد يبحث ولم يعد يُبدع، إن الدغمائية لهي بمثابة هذيان منشدا3. إنها تفتقر إلى الشك بما هو ذلك الثاقب الماسي4 الذي يَحفر على الدوام. إن هذه الأفكار المتعصّبة تتحكّم أيّما تحكّم في المخاوف والرغبات بيد أنها لا تتحكّم في نفسها. إنها لا تبحث عن هذه الرؤى الأرحب ولا عن هذه المنظورات عن الخصم، ولا تبحث في آخر الأمر عن هذا التفكير الحرّ الذي يفتح طرق الإقناع ويَثني في الآن نفسه عن الإكراه. وباختصار هناك اندفاع فكر5 وانفعال تفكير يشبه باقي الانفعالات.

آلان، مينرفا أو في الحكمة 1927 خواطر 21، ص 68-69، ترجمة لجنة التأليف

الهوامش

  • المتعصّب: هو شخص غير متسامح، يسكنه هاجس نصرة عقيدته التي يراها يقينا لا يقبل المراجعة، وهو مستعد لاستعمال العنف حتى يحمل الناس على الإذعان لها واعتناقها، وقد يصل به الأمر إلى تصفيتهم جسديا في حال رفضهم لذلك. يُقَالُ على المتعصب الديني وتتسع دلالة اللفظ لتشمل كل أصناف التعصب.
  • إعجاب خفي: شعور ينتاب الإنسان ولأوّل وهلة بعظمة ما يقوم به المقبل على التضحية بالنفس من أجل نصرة فكرة ما أو عقيدة. ويرى الكاتب أن الانبهار بفعل التضحية هذا يجعلنا نقر بفضائل نادرة لهذا الفعل. غير أن الإعجاب يبقى خفيا لان التصريح به يقتضي من ذوى العقل تقديم الحجة على معقولية أفعال المتعصبين وهو ما لا يستقيم لطالبه فيعدل عنه ويبقى الإعجاب في سريرته.
  • هذيان مُنشِد: الهذيان حالة نفسية مرضيّة تتّسم بغلبة التصوّرات الخاطئة والوهمية وظّفها الكاتب الوصف الدغمائية بما هي تعبير عن حالة انغلاق فكريّ يردّد أثناءها الدغمائي قناعاته الراسخة، مكرّرا نفسه في غير اكتراث بتغيّرات الواقع.
  • الثاقب الماسّي: أداة أو آلة تستعمل للحفر في الرخام وفي الأجسام الصلبة، وفي النص يشبّه الكاتب الشك بهذه الآلة من جهة كونه أداة فعّالة في كسر طوق التعصّب والدغمائية وتحجّر الفكر عموما.
  • اندفاع فكر: إشارة إلى أفعال المتعصّبين الذين يندفعون نحو العنف بفعل عقيدة أو فكرة فيتحول "فكرهم" إلى انفعالات عمياء لا تحكمها حدود أو ضوابط.

تقديم المؤلف

آلان

آلان هو الاسم المستعار لأميل أو غيست شارتيه (1868-1951). مارس مهنة التدريس، نشر سلسلة من المقالات الصغيرة بعنوان "أقوال" كشفت عن قدراته كفيلسوف أخلاق، اعتبر الوعي الميزة الأساسية للإنسان بحيث ناهض الفرويدية في اكتشافها للاوعي معلّلا ذلك بطبيعة الإنسان ككائن حر ومسؤول. حارب التعصب ودعا إلى حرية التفكير. من مؤلفاته: - المواطن ضد السلط (1926) - أقوال في السعادة (1928) - أفكار (1939) - هزيمة القوة (1939) - عناصر فلسفية (1941) - حرّاس الفكر (1942)

المفاهيم والمصطلحات

  • التعصب: حالة نفسية وفكرية تتسم بالانغلاق وعدم التسامح مع الآراء المخالفة، والتمسك الأعمى بفكرة أو عقيدة معينة دون قبول النقد أو المراجعة.
  • الدغمائية: نمط تفكير مغلق وغير نقدي، يرفض مراجعة المسلمات ويرى الحقيقة مطلقة ونهائية، ويتميز بالجمود الفكري ورفض الحوار مع الآخر.
  • الشك: أداة منهجية في التفكير الفلسفي تساعد على فحص الأفكار واختبار صحتها، وتمثل نقيضاً للتعصب والدغمائية.
  • التفكير الحر: نمط تفكير منفتح وقادر على النظر في مختلف الآراء والاحتمالات، ويتميز بالمرونة والاستعداد لمراجعة المواقف في ضوء الأدلة الجديدة.

أسئلة الفهم والتحليل

  1. كيف يشتغل الفكر المتعصّب ؟
  2. هل في الإعجاب الأوّلي بأفعال المتعصّبين وبمخاطرتهم بحياتهم تحديدا ما يَثنينا عن محاورة \"الفكر\" الذي يحملهم على ذلك ؟
  3. هل أن تقييم الممارسة يكون بالنظر إلى نتائجها سلبية كانت أو إيجابية، أم بالنظر إلى الفكر الذي تصدر عنه ؟ علّل إجابتك.
  4. هل تقدّر أنّ التعصّب قد تفاقم اليوم أم تضاءل ؟

إجابات مقترحة

الإجابة عن السؤال الأول:

يشتغل الفكر المتعصب وفق آلية محددة تتميز بالجمود والانغلاق. فهو فكر متحجر لا ينظر إلا إلى جهة واحدة ولا يفهم فكر الآخرين. يتميز هذا الفكر بطابعه الآلي، حيث يعود دوماً من نفس الدروب دون بحث أو إبداع. كما يفتقر إلى الشك الذي يمثل الأداة الأساسية للتفكير النقدي. الفكر المتعصب يتحكم في المخاوف والرغبات لكنه لا يتحكم في نفسه، فهو لا يبحث عن الرؤى الأرحب ولا عن منظورات الخصم، ولا يسعى إلى التفكير الحر الذي يفتح طرق الإقناع ويجنب الإكراه. باختصار، الفكر المتعصب هو اندفاع فكري وانفعال تفكير يشبه باقي الانفعالات.

الإجابة عن السؤال الثاني:

نعم، الإعجاب الأولي بأفعال المتعصبين وبمخاطرتهم بحياتهم قد يثنينا عن محاورة الفكر الذي يحملهم على ذلك. فالتضحية بالنفس من أجل فكرة ما تثير فينا إعجاباً خفياً واعترافاً بفضائل نادرة كالشجاعة والإرادة. هذا الإعجاب قد يمنعنا من النظر النقدي إلى الفكر الذي يقف وراء هذه التضحيات، ويجعلنا نركز على البعد الأخلاقي للفعل بدلاً من البعد الفكري للأفكار. لكن الحكمة تقتضي أن نميز بين تقدير الشجاعة في التضحية وبين تقييم صحة الفكرة التي تُضحَّى من أجلها.

الإجابة عن السؤال الثالث:

تقييم الممارسة يجب أن يكون بالنظر إلى الفكر الذي تصدر عنه وليس فقط إلى نتائجها. فالنيات والأفكار التي تقف وراء الأفعال هي التي تعطيها قيمتها الأخلاقية والمعرفية. الفعل نفسه قد يكون متشابهاً من حيث المظهر، لكن قيمته تختلف باختلاف الفكر الذي يوجهه. الفعل النابع من تعصب ودغمائية يختلف جوهرياً عن الفعل النابع من تفكير حر ونقدي، حتى لو كانت النتائج متشابهة ظاهرياً. لذلك، من المهم الحكم على الأفعال من خلال المنطلقات الفكرية التي أنتجتها وليس فقط من خلال عواقبها.

الإجابة عن السؤال الرابع:

التعصب لم يتضاءل في عصرنا الحالي بل اتخذ أشكالاً جديدة وتلوينات متنوعة. فمع تطور وسائل الاتصال وانتشار المعلومات، ظهرت أشكال جديدة من التعصب ترتدي أحياناً ثوب التقدم والحداثة. التعصب الديني والمذهبي لا يزال قائماً، كما برزت أشكال جديدة من التعصب الفكري والسياسي والثقافي. صحيح أن الوعي بحقوق الإنسان وثقافة التسامح قد تطور، لكن هذا لم يقض على التعصب بل جعله يتكيف مع المستجدات. لذلك يمكن القول إن التعصب لم يتضاءل بل تحول وتكيف مع متغيرات العصر.

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

يطرح آلان فكرة أن الفكر المتعصب ليس فكراً حقيقياً، بل هو نمط من التفكير المتحجر والمنغلق الذي يفتقر إلى المرونة والنقد. هذا النمط من التفكير يتسم بالآلية والتكرار، ويفتقد إلى الشك كأداة منهجية للبحث عن الحقيقة. الفكر المتعصب يتحول إلى انفعالات عمياء تتحكم في المخاوف والرغبات لكنها لا تتحكم في نفسها، مما يجعله عاجزاً عن الانفتاح على الرؤى الأخرى والتفكير الحر.

آليات اشتغال الفكر المتعصب:

يتميز الفكر المتعصب بعدة آليات تشغيل تجعله مغلقاً وغير نقدي. أولاً، هو فكر أحادي الرؤية لا ينظر إلا إلى جهة واحدة ويرفض فهم وجهات النظر المخالفة. ثانياً، يتسم بالطابع الآلي حيث يعود دوماً من نفس الدروب دون تجديد أو إبداع. ثالثاً، يفتقر إلى الشك المنهجي الذي يمثل الأداة الأساسية للحفر في الأفكار وفحصها. رابعاً، يتحول الفكر إلى انفعالات عمياء تتحكم في المخاوف والرغبات لكنها عاجزة عن التحكم في نفسها. أخيراً، يعجز هذا النمط من التفكير عن البحث عن الرؤى الأرحب والمنظورات المختلفة.

نتائج سيطرة الفكر المتعصب:

تؤدي سيطرة الفكر المتعصب إلى عدة نتائج سلبية على المستوى الفردي والجماعي. على المستوى الفردي، يفقد الإنسان قدرته على التفكير النقدي والتحرر من الأفكار المسبقة. على المستوى الاجتماعي، يؤدي التعصب إلى إغلاق قنوات الحوار والتفاهم بين الأفراد والجماعات، ويعيق تطور المجتمعات وتقدمها. كما أن الفكر المتعصب يدفع إلى اللجوء إلى الإكراه بدلاً من الإقناع، مما يهدد السلم الاجتماعي والاستقرار. أخيراً، يحول التعصب دون اكتشاف الحقائق الجديدة وتطوير المعرفة، لأنه يرفض مراجعة المسلمات والانفتاح على الأفكار المخالفة.

دلالات وأبعاد المفهوم:

يمثل مفهوم "آليات اشتغال الفكر المتعصب" عند آلان مدخلاً لفهم إشكالية التعصب كظاهرة فكرية ونفسية. فهو يبرز الصراع بين التفكير المغلق والتفكير المنفتح، وبين الدغمائية والنقد. كما يوضح ضرورة التمييز بين الشجاعة في الدفاع عن الأفكار وبين صحة هذه الأفكار ذاتها. هذا المفهوم يدفع نحو تأسيس ثقافة التسامح والانفتاح الفكري، ويؤكد على أهمية الشك كأداة منهجية في مواجهة التعصب والدغمائية. كما يقدم إطاراً لفهم استمرار ظاهرة التعصب رغم تطور المعرفة وانتشار قيم التسامح في المجتمعات الحديثة.