تحليل النص: حرية التفكير - فولتير
التمهيد
إن إدراج حرية التفكير والاعتقاد ضمن حقوق الإنسان مكسب حديث العهد بالنظر إلى تاريخ معاناة الأفراد والشعوب من التعصّب وما ترتّب عليه من مظاهر القهر والاستبداد. ولعلّ محاكم التفتيش أبرز الوقائع التاريخية دلالة على مصادرة هذا الحق. وإذا كان يحدث للإنسان أن يتنازل عن حريته في التفكير والاعتقاد ويتوهّم أنّه سعيد، فكيف نفسّر تنازله هذا؟ وهل من أمل في تبصيره بواقع توهُمِهِ ؟
النص
بولدمايند1: ثمّة على الأرض مائة ديانة تلعنك جميعها إن أنت
آمنت بعقائدك، فهي تعتبرها عبثيّة وملحدة، فلننظر
إذن في هذه العقائد.
ميدروزوا2: وكيف لي أن أنظر فيها؟ أنا لست يعقوبيّا.3
بولدمايند: إنّك إنسان، وهذا كاف.
ميدروزو: واحسرتاه! أنت إنسان أكثر مني بكثير.
بولدمايند: إن تعلّم التفكير أمر متوقّفٌ عليك وحدك، فأنت
وُلدت ذا عقل. إنّك طير في قفص الاتهام، ومحكمة
التفتيش4 قصّبت جناحيك، ومع ذلك بإمكانهما أن
تَنْمُوَا من جديد، فمن لا يعرف الهندسة يمكنه تعلّمها،
وكل إنسان قادر على التعلّم، ومن المخجل أن تعهد
بعقلك إلى من لا تأتمنهم على مالك. فلتجرؤ إذن على
التفكير بنفسك.
ميدروزو: يقال أنّه لو فكّر كلّ مِنّا بنفسه لحصلت فوضى غريبة.
بولدمايند: بل على العكس تماما، فعندما نحضر عرضا ما، يعبّر
كلّ منّا عن رأيه بحرية دون أن يخلّ ذلك بالأمن.
ولكن إذا أراد بعض المدافعين الوقحين عن شاعر
فاشل إلزام جميع أصحاب الذوق السليم باستحسان
ما يبدو لهم قبيحا، يتعالى تصفير المستهجنين وقد
يتراشق الطرفان بالتّفّاح كما حدث ذات مرّة "بلندن".
إنّ طغاة الفكر هؤلاء هم الذين تسبّبوا في قدر من
مآسي العالم. ونحن لم نسعد في إنجلترا إلاّ منذ أن تمتّع
كلّ منّا بحقّهِ في التعبير عن رأيه بكلّ حرية.
ميدروزو: إننا نضاهيكم في شدّة الأمن بلشبونة، حيث لا أحد
يقدر على التعبير عن رأيه.
بولدمايند: أنت آمن ولكنك لست سعيدا، وإنّ أمنك هو أمن المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، يجذفون في صمت وبانتظام.
ميدروزو: أَوَ تعتقد إذن أنّ روحي سجينة ؟
بولدمايند: نعم، وإني لأريد تخليصها.
ميدروزو: ولكن لم تخلّصني، إن كنت أستطيب5 العيش داخل هذا السجن ؟
بولدمايند: في هذه الحالة أنت تستحق ما أنت فيه.
فولتير، المعجم الفلسفي، حرية التفكير
Voltaire, Dictionnaire philosophique, Liberté de penser
تقديم المؤلف
الهوامش
- بولدمايند: اشتقاقا يعني الشخص الكثير الانتباه والحريص على التفكير. وهو قائد عسكري بريطاني التقى بميدروزو حوالي سنة 1707 ولم تتجاوز معرفته بمحاكم التفتيش ما انتهى إليه حواره مع البعض.
- ميدروزو: نبيل برتغالي خبر محاكم التفتيش وألفها، التقى ببولدمايند غير بعيد عن ساحة حرب في منطقة "باريج" من جبال البيريني.
- "اليعقوبي": إحالة على فرقة دينية مسيحية عرفت محنة الاضطهاد تُسمّى فِرقة دومينيك.
- محاكم التفتيش: مؤسّسة قضائية أنشأتها "البابوية" سنة 1231 عن طريق البابا غريغوار التاسع لملاحقة السحرة وأصحاب البدع الدينية في البداية وخاصة فرقة "أليبجوا" التي ظهرت في جنوب فرنسا ثم امتد تأثيرها للعديد من المدن الأوروبية وهي تقول بوجود صراع بين إله الخير والسفر الجديد وإلاه الشر والسفر القديم. امتد تعسّف محاكم التفتيش لاحقا ليشمل المفكرين ويضبط قائمة كتب ممنوعة في عهد بول الرابع سنة 1555 ولقد حاكمت غاليلاي سنة 1633.
- أستطيب العيش داخل السجن: موقف يكشف عن الطابع العنيد للوهم.
المهام
- حدّد العبارات الدالة على الموقفين من حرية التفكير الشّخصيّ والتعبير عن الرأي.
- هل في الوقوف على تعدّد المعتقدات والديانات واختلافها ما يفضي بالضرورة إلى التشكيك في معتقداتنا ؟
- حاور الحجة التي يقدمها ميدروزو: ((لو فكّر كلّ منّا بنفسه لعمّت فوضى غريبة.)) باعتماد حجج أخرى من خارج النص.
- هل يمكن للإنسان أن يتنازل عن التفكير والتعبير عن الرأي دون أن يفوّت في إنسانيته ؟
- هل يمكن أن نحرّر الآخرين من أوهامهم ؟
إجابات مقترحة
الإجابة عن السؤال الأول:
العبارات الدالة على الموقفين من حرية التفكير:
موقف بولدمايند (المؤيد لحرية التفكير):
- "إن تعلّم التفكير أمر متوقّفٌ عليك وحدك، فأنت وُلدت ذا عقل"
- "فمن لا يعرف الهندسة يمكنه تعلّمها، وكل إنسان قادر على التعلّم"
- "من المخجل أن تعهد بعقلك إلى من لا تأتمنهم على مالك"
- "فلتجرؤ إذن على التفكير بنفسك"
- "نحن لم نسعد في إنجلترا إلاّ منذ أن تمتّع كلّ منّا بحقّهِ في التعبير عن رأيه بكلّ حرية"
موقف ميدروزو (المعارض لحرية التفكير):
- "يقال أنّه لو فكّر كلّ مِنّا بنفسه لحصلت فوضى غريبة"
- "إننا نضاهيكم في شدّة الأمن بلشبونة، حيث لا أحد يقدر على التعبير عن رأيه"
- "ولكن لم تخلّصني، إن كنت أستطيب العيش داخل هذا السجن ؟"
الإجابة عن السؤال الثاني:
لا، ليس بالضرورة أن يؤدي تعدّد المعتقدات والديانات إلى التشكيك في معتقداتنا، وذلك للأسباب التالية:
أولاً، يمكن أن يؤدي الوعي بالتعددية إلى تعميق الفهم الذاتي بدلاً من التشكيك. فعندما نتعرف على معتقدات الآخرين، نضطر إلى التفكير بشكل أعمق في معتقداتنا الخاصة وفهم أسسها المنطقية والأخلاقية.
ثانياً، التعددية تثري الفكر الإنساني وتوسع الآفاق. فالحوار بين الثقافات والمعتقدات المختلفة يمكن أن يؤدي إلى تبادل الخبرات وتطوير الفكر الإنساني collectively.
ثالثاً، يمكن أن يكون الاختلاف مصدراً للإثراء بدلاً من الصراع. فكما يظهر في النص، الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة الفوضى، بل يمكن أن يكون مصدراً للثراء الفكري والثقافي.
رابعاً، المعرفة بالتعددية تدفع نحو التسامح والتفاهم المتبادل، وهو ما يدعو إليه فولتير في نصه من خلال حوار بولدمايند الذي يدعو إلى التفكير النقدي وليس إلى التشكيك المطلق.
الإجابة عن السؤال الثالث:
حوار حجة ميدروزو "لو فكّر كلّ منّا بنفسه لعمّت فوضى غريبة":
هذه الحجة قابلة للنقاش من عدة جوانب. أولاً، يمكن الرد بأن الحرية الفكرية لا تعني الفوضى، بل تعني التنظيم العقلاني للاختلاف. فالمجتمعات الديمقراطية تثبت أن حرية التعبير يمكن أن تتعايش مع الاستقرار الاجتماعي عندما تكون مقترنة باحترام القانون والحوار العقلاني.
ثانياً، الفوضى الحقيقية تكمن في قمع حرية الفكر وليس في ممارستها. فالتاريخ يشهد بأن المجتمعات التي قمعت حرية التفكير شهدت ثورات عنيفة وانفجارات اجتماعية، بينما المجتمعات التي احترمت التعددية الفكرية تمتعت باستقرار دائم.
ثالثاً، التفكير الحر لا يعني التفكير الفوضوي، بل يعني التفكير المسؤول الذي يحترم قواعد الحوار والعقل. فكما يرد بولدمايند في النص، حرية التعبير في إنجلترا لم تؤد إلى الفوضى بل إلى السعادة والاستقرار.
رابعاً، الفوضى المزعومة هي في الحقيقة تنوع وغنى فكري، وهو ما يميز المجتمعات المتحضرة عن المجتمعات المتخلفة التي تفرض رأياً واحداً.
الإجابة عن السؤال الرابع:
لا، لا يمكن للإنسان أن يتنازل عن التفكير والتعبير عن الرأي دون أن يفوت في إنسانيته، وذلك للأسباب التالية:
أولاً، التفكير هو الخاصية الجوهرية التي تميز الإنسان عن سائر المخلوقات. فالتخلي عن التفكير هو تخلي عن الإنسانية ذاتها، كما يشير بولدمايند عندما يقول لميدروزو: "إنّك إنسان، وهذا كاف".
ثانياً، التفكير الحر هو أساس الكرامة الإنسانية. فالإنسان الذي يتخلى عن حريته في التفكير يصبح كالآلة أو الحيوان الذي ينفذ أوامر الآخرين دون مساءلة.
ثالثاً، التنازل عن حرية التعبير يعني التنازل عن المسؤولية الأخلاقية. فالإنسان الذي لا يعبر عن رأيه يكون شريكاً صامتاً في الظلم والاستبداد.
رابعاً، كما يوضح النص، الأمن الذي يتحقق بالتنازل عن الحرية هو أمن زائف، يشبه أمن المساجين الذين يعيشون في سجن مريح لكنهم محرومون من حريتهم وإنسانيتهم.
الإجابة عن السؤال الخامس:
نعم، يمكن أن نحرر الآخرين من أوهامهم، لكن بشروط:
أولاً، التحرير يجب أن يكون عبر الحوار والإقناع وليس بالإكراه. فكما يحاول بولدمايند إقناع ميدروزو بالحجج العقلانية، وليس بإجباره على تغيير رأيه.
ثانياً، التحرير الحقيقي يأتي من الداخل. فالدور الأساسي للمفكر أو المربي هو توفير الأدوات الفكرية والمناخ الملائم للتفكير الحر، لكن القرار النهائي يبقى للفرد نفسه.
ثالثاً، هناك حدود للتحرير. فكما يظهر في نهاية الحوار، عندما يرفض ميدروزو التحرر ويصر على البقاء في "سجنه"، يقرر بولدمايند أن ميدروزو "يستحق ما هو فيه". وهذا يعني أن التحرير ليس واجباً مطلقاً عندما يرفض الشخص نفسه التحرر.
رابعاً، التحرير عملية مستمرة وليست حدثاً واحدا. فهي تتطلب صبراً ومثابرة وحواراً متواصلاً، كما يظهر في محاولات بولدمايند المتكررة لإقناع ميدروزو.
تحليل النص
الأطروحة الأساسية:
يطرح فولتير من خلال هذا الحوار فكرة أن حرية التفكير والتعبير حق طبيعي لكل إنسان، وأن أي محاولة لقمع هذا الحق تمثل اعتداءً على جوهر الإنسانية. يرى فولتير أن التفكير المستقل هو السبيل الوحيد للتحرر من الأوهام والوصول إلى الحقيقة، وأن الأمن الذي يتحقق بقمع حرية الفكر هو أمن زائف لا يؤدي إلى السعادة الحقيقية.
طبيعة الحوار ورمزيته:
يمثل الحوار بين بولدمايند وميدروزو صراعاً بين العقل والجهل، بين الحرية والخضوع. فبولدمايند يمثل صوت العقل والتحرر، بينما يمثل ميدروزو صوت الخضوع والاستسلام للسلطة. هذا الحوار ليس مجرد نقاش بين شخصين، بل هو تجسيد للصراع الدائر في المجتمع بين دعاة الحرية الفكرية وأصحاب السلطة القمعية.
الحجج والبراهين:
يستخدم فولتير حججاً متعددة لدعم موقفه، منها أن القدرة على التفكير هي خاصية إنسانية فطرية، وأن التعليم والتفكير هما وسيلتان للتحرر من القيود. كما يقدم مثال إنجلترا كنموذج للمجتمع الذي يحترم حرية التعبير ويحقق السعادة لأفراده، في مقابل لشبونة التي تمثل نموذجاً للمجتمع القمعي الذي يفرض الصمت على أفراده.
دلالات وأبعاد المفهوم:
يمثل مفهوم حرية التفكير عند فولتير مدخلاً لفهم إشكالية العلاقة بين الفرد والسلطة، وبين الحرية والأمن. فهو يبرز الصراع بين الحق في التفكير المستقل وضرورات الانضباط الاجتماعي، وبين السعادة الفردية والاستقرار الجماعي. كما يوضح ضرورة التفكير النقدي والاستقلال الفكري كأدوات للتحرر من قيود التقاليد والسلطات، ويدفع نحو تأسيس مجتمع قائم على احترام الاختلاف والتعددية الفكرية.