تحليل النص: الإعلام والقيم - ميشال هنري
التمهيد
لئن تصالحت الإنسانية مع الطابع التاريخي للقيم، فإن ما طرأ في الحضارة المعاصرة من انقلاب في القيم الّذي لحق الفن تخصيصا ومن ورائه الثقافة عموما، قد أربك المفكّرين. ويجسّم موقف ميشال هنري وجها من وجوه هذا الانقلاب إذ هو يدعو إلى تشخيص هذا الواقع المستجدّ واستجلاء درجة خطورته.
الإعلام والقيم
لقد كفّ الأثر الفني عن تحقيق تطوّره الذاتي1 بنفسه، وتوقّف تحديدا عن أداء دور الوسيط2. فهو غارق في سيل المصنوعات المتماثلة وإشهارها المهين، وفي الصور التلفزية المتعاقبة دون توقّف والآيلة في الحين إلى الاضمحلال، وفي "الكتب" التي لم يعد يؤلّفها الكتّاب أو المفكّرون أو العلماء أو الفنّانون، وإنّما مقدّمو البرامج التلفزية والسياسيون والمغّون والأوغاد والعاهرات وأبطال شتّى الرياضات والمغامرون بشتّى أصنافهم.
يحتاج الأثر الفني إلى وسائط إعلامية جديدة وإلى بديل عن الوسائل السمعية البصرية وهذا ما لن يحصل عليه البتّة، لأنّ الإعلام في تبعيّة للمؤسّسة السياسية ولامتثاليّة اجتماعيّة ما فتئت هذه الوسائل تنمّ نفوذها وسلطانها، وباعتباره، خاضعا بهذا الشكل للاديولوجيات المهيمنة وللموضات والنزعة المادية3 التي تكتنفها. إنّه خاضع لهذا الفساد الذي يريد من الوسائل الإعلامية، بعد أن أصبح محتوى الإعلام هو الإعلام ذاته4، أن تتحدّث أساسا عن الوسائل الإعلامية معلنة عمّا سيُقدّم فيها واصفة ما قُدّم.
وهكذا يُعلن عمّن سيُقدّم ويُوصف من قُدّم من المغنّين والممثلين ورجال السياسة والمغامرين بأصنافهم وأبطال شتّى الرياضات، وكلّ أولئك الذين نقدّم لهم المصدح5. هؤلاء الكهنة الجدد، المفكّرون الحقيقيّون لزماننا. فمعهم، نقدّم أحداث الساعة ونعرض الجديد على الدوام والضحل على الدوام والمثير والتافه والنزعة المادية المحيطة والمبتذل والمباشر، نعرض الفكر وقد اختزِل في المكرور ونعرض اللغة وقد رُدّت إلى حاكيات صوتية6، نعرض الكلمة وقد أُعطيت، أخيرا، إلى أولائك الذين ضمنًا الاستماع إلى خطابهم7، لأولئك الذين لا يفقهون شيئا وليس لهم ما يقولون.
ميشال هنري، البربرية، دار غراسيه، باريس 1987، الصفحات 201-202
تقديم المؤلف
المفاهيم والمصطلحات
- تطوّره الذاتي: هو التطوّر الذي يستجيب فيه الفن إلى تاريخه وتقاليده ومنزلته عندما يغيّر أغراضه وتقنيّاته لا إلى منطق السّوق والتحوّلات التقنية. ولعل أبرز مثال على فقدان هذه القدرة بعض أشكال الموسيقى الحديثة.
- الوسيط: ما يحتل منزلة الوسيلة التي تصلنا بالعالم وبالآخرين أو يكون بمثابة رؤية من خلالها ندرك الأشياء، وداخلها ينتظم العالم ويكتسب معنى. إنّ كلاً من اللغة والعلم والفن والدين والفلسفة … تُمثّلُ إذن بهذا المعنى وسائط.
- النزعة المادية: لا يتعلّق الأمر بمذهب فلسفي وإنما بنمط حياة سائد يتّسم بالتكالب على المصالح المباشرة وبتقديس العلم والتقنية من جهة نجاعتها المباشرة في غير ما اكتراث بالبعد الثقافي والروحي للوجود الإنساني. لقد أطردت الثقافة من المدينة تحت وقع هذه النزعة ولعل العالم في حاجة ملحّة لمن ینقذه.
- محتوى الإعلام هو الإعلام ذاته: إشارة إلى الومضات الإشهارية الخاصة ببرامج التلفزة أو الراديو وبرامج من نوع "ذاكرة التلفزة".
- المصدح: هو جهاز يضطلع اليوم بدور شبيه إلى حدّ بعيد بالدور الذي اضطلع به الصولجان في الحضارة الرومانية. فهو يضفي على الممسك به سلطة معرفية تخوّل له أن يكون باثا ومصدرا للمعرفة. فالمصدح شأنه شأن الصولجان رمز نصارع به ومن أجله.
- حاكيات صوتية: معجميا، الكلمة التي يحاكي صوتها صوت الشيء الذي تصفه شأن الصفير والخرير والرعد … وسياقيّا يشير الكاتب بهذه العبارة إلى تدنّي الخطاب الثقافي الذي لم يعد ناطقا بفكر أصيل بل أصبح حاملا لمضامين ضحلة وتافهة ومبتذلة قيمتها في شهرتها لا في أصالتها.
- مضمونا: في العبارة إشارة إلى احترام الإعلام لرغبات المستهلكين، وهي إشارة لا تخلو في ظاهرها من تبرئة لساحة الإعلاميين وإن كان السياق يفترض أن ضمان استهلاك التافه والضحل والمكرور هو إشارة إلى صنف الذوق الذي شكلته وسائل الإعلام والدّعاية لدى الجمهور.
- البربرية: في دلالة مباشرة وتقليدية هي ما يقابل التّحضّر، أمّا سياقيا فهي إشارة لما تقوم عليه حضارة العلم والتقنية من تفقير لأشكال الوجود الإنساني وانهيار القيم الثقافية.
أسئلة الفهم والتحليل
- كوّن ملفًا تبيّن فيه طبيعة العلاقة بين الأثر الفني والوسائط السمعية البصرية.
- لماذا أطلق الكاتب صفة ((الكهنة الجدد)) على المغنّين والممثّلين ورجال السياسة والمغامرين وأبطال الرياضات؟
- "المفكرون الحقيقيون لزماننا"، أي معنى لصفة "الحقيقيّون" في سياق النص؟
- قارن ما ورد في النص مع مصطلح "حضارة المشهد" وكوّن لنفسك موقفا من التحوّل الذي شهدته الإنسانية في السنوات الأخيرة على مستوى الإعلام.
إجابات مقترحة
الإجابة عن السؤال الأول:
العلاقة بين الأثر الفني والوسائط السمعية البصرية في العصر الحديث علاقة معقدة ومتناقضة. فمن ناحية، يحتاج الأثر الفني إلى هذه الوسائط للوصول إلى الجمهور، لكن من ناحية أخرى، أصبحت هذه الوسائط تشكل تهديداً للأثر الفني نفسه. فبدلاً من أن تكون قناة لنقل الفن الأصيل، أصبحت الوسائط السمعية البصرية تفرض منطقها التجاري والإستهلاكي على الفن، مما أدى إلى تحويله من وسيط ثقافي راقٍ إلى سلعة استهلاكية تافهة. الأثر الفني فقد استقلاليته وأصبح غارقاً في فيض من المنتجات المتماثلة والإعلانات المهينة، مما أفقد الفن قدرته على التطور الذاتي وفق منطقه الفني الداخلي.
الإجابة عن السؤال الثاني:
استخدم الكاتب صفة "الكهنة الجدد" بشكل ساخر لوصف المشاهير من المغنّين والممثّلين ورجال السياسة والمغامرين وأبطال الرياضات. هذه التسمية تحمل دلالة نقدية عميقة، فهي تشير إلى أن هؤلاء الأشخاص قد حلوا محل المفكرين والفلاسفة في العصر الحديث كمصادر للمعرفة والتوجيه الثقافي. لكن في حين كان الكهنة القدامى يمثلون قيماً روحية وفكرية عميقة، فإن هؤلاء "الكهنة الجدد" يقدمون خطاباً سطحياً وتافهاً، ويمثلون قيماً مادية واستهلاكية. إنهم يمتلكون "المصدح" - رمز السلطة المعرفية - لكنهم يفتقرون إلى العمق الفكري والأصالة الثقافية.
الإجابة عن السؤال الثالث:
استخدام صفة "الحقيقيون" في سياق النص هو استخدام ساخر يهدف إلى كشف التناقض في الواقع الثقافي المعاصر. فالكلمة تستخدم هنا بشكل مفارق، إذ أن هؤلاء الذين يسميهم الكاتب "المفكرون الحقيقيون" هم في الواقع أبعد ما يكونون عن التفكير الأصيل. إنهم يمثلون النقيض التام للمفكر الحقيقي الذي يتسم بالعمق والجدية والأصالة. "الحقيقيون" هنا هم أولئك الذين يسيطرون على المشهد الإعلامي ويوجهون الرأي العام، لكنهم في الحقيقة يقدمون فكراً مبتذلاً ومكروراً، وليس لديهم ما يقولونه من أفكار عميقة أو أصيلة.
الإجابة عن السؤال الرابع:
النص يتقاطع بشكل كبير مع مفهوم "حضارة المشهد" الذي طوره الفيلسوف الفرنسي غي ديبور. فكلاهما يشيران إلى تحول المجتمعات المعاصرة إلى مجتمعات تهيمن عليها الصورة والعرض، حيث أصبح الواقع مجرد تمثيل واستعراض. في هذه الحضارة، تحل الصورة محل الجوهر، والعرض محل المضمون، والشهرة محل القيمة الحقيقية. التحول الذي شهدته الإنسانية في السنوات الأخيرة على مستوى الإعلام يمثل، من وجهة نظري، تراجعاً خطيراً في القيم الثقافية والفكرية. فالإعلام لم يعد وسيلة لنقل المعرفة والثقافة، بل أصبح أداة لتسطيح الوعي وتشييء الإنسان وتحويله إلى مجرد مستهلك سلبي. هذا التحول يتطلب يقظة نقدية ومقاومة ثقافية للحفاظ على القيم الإنسانية الأصيلة في مواجهة طغيان الصورة والاستهلاك.
تحليل النص
الأطروحة الأساسية:
يطرح ميشال هنري في هذا النص نقداً جذرياً للتحولات التي شهدتها الثقافة المعاصرة تحت تأثير وسائل الإعلام الحديثة. يرى أن الفن فقد استقلاليته وأصبح رهينة لمنطق السوق والإعلام، مما أدى إلى انقلاب في القيم الثقافية وتحولها من قيم عميقة وأصيلة إلى قيم سطحية واستهلاكية. الإعلام لم يعد وسيطاً لنقل الثقافة، بل أصبح محتواه هو ذاته، مما أدى إلى تفريغ الفن والثقافة من مضمونهما الحقيقي.
آليات عمل الإعلام المعاصر:
يعمل الإعلام المعاصر من خلال عدة آليات تسهم في تدهور القيم الثقافية. أولاً، هناك تحول الفن من وسيط ثقافي إلى سلعة استهلاكية، حيث أصبح غارقاً في سيل من المصنوعات المتماثلة والإعلانات المهينة. ثانياً، هناك تبعية الإعلام للمؤسسة السياسية والامتثالية الاجتماعية، مما يجعله خاضعاً للأيديولوجيات المهيمنة والموضات والنزعة المادية. ثالثاً، هناك تحول محتوى الإعلام إلى الإعلام ذاته، حيث أصبح الإعلام يتحدث أساساً عن نفسه وعن برامجه ومشاهيره. رابعاً، هناك صعود ما يسميهم الكاتب "الكهنة الجدد" وهم المشاهير من المغنين والممثلين ورجال السياسة الذين حلوا محل المفكرين الحقيقيين.
نتائج سيطرة الإعلام:
تؤدي سيطرة الإعلام المعاصر إلى مجموعة من النتائج السلبية على المستوى الثقافي والفكري. أولاً، هناك تدهور الفن وتحوله من تعبير أصيل عن الذات الإنسانية إلى منتج استهلاكي تافه. ثانياً، هناك تفريغ الفكر من مضمونه وتحويله إلى مجرد مادة مكرورة وسطحية. ثالثاً، هناك تحويل اللغة إلى مجرد "حاكيات صوتية" تفتقر إلى العمق والدلالة. رابعاً، هناك سيطرة الخطاب التافه والمبتذل على المشهد الثقافي، حيث أصبح الكلام منحصراً في أولئك الذين لا يفقهون شيئاً وليس لديهم ما يقولونه. خامساً، هناك تحول الثقافة من ممارسة نقدية تحررية إلى أداة للهيمنة والتطويع.
دلالات وأبعاد المفهوم:
يحمل تحليل ميشال هنري لدور الإعلام المعاصر دلالات عميقة تتجاوز النقد الإعلامي إلى أبعاد فلسفية وجودية. فالنص لا ينتقد فقط التدهور الثقافي، بل يكشف عن أزمة أعمق في الوجود الإنساني المعاصر. فتحول الفن والثقافة إلى مجرد سلع استهلاكية يعكس تفقيراً للوجود الإنساني وتحويله إلى مجرد كائن استهلاكي. استخدام مصطلح "البربرية" في عنوان الكتاب الذي يستشهد به النص يحمل دلالة قوية، فهو يشير إلى أن التقدم التقني والمادي لا يعني بالضرورة تقدمًا ثقافياً وإنسانياً، بل قد يقود إلى نوع جديد من الهمجية التي تفتقر إلى العمق الروحي والثقافي. النص يدعو إلى استعادة الأصالة الثقافية والفنية في مواجهة طغيان الصورة والاستهلاك.