مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: في إحصاء المواضع المغلطة - ابن سينا

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

لما كان المنطق آلة يُرادُ منها وقاية الفكر من الوقوع في الزلل ومعرفة طريق نيل الصواب والتحرّر من الأخطاء، كان لا بدّ من إبانة المواضع المغلّطة وإحصائها لغرض تحديد شروط التفكير السليم، القادر على كشف الحقائق.

في إحصاء المواضع المغلطة

نقول إنّ أفعال السفسطائية، إمّا في القياس المطلوب به إنتاج الشيء1 وإمّا في أشياء خارجة عن القياس، مثل تخجيل الخصم وترذيل قوله، والاستهزاء به، وقطع كلامه، والإغراب عليه في اللّغة، واستعمال ما لا مَدخل في المطلوب، وما يجري مجرى ذلك. وهي عشرة ولا حاجة لنا إلى ذكرها. وأمّا اللواتي في القياس المطلوب به إنتاج الشيء، فإنّا نذكرها ( ... )

ويجتمع من جملة هذا أنّ جميع أسباب المغالطة في القياس، إما لفظيّ وإمّا معنويّ. واللّفظي إمّا اشتراك2 في جوهر اللّفظ المفرد، إذ اشتراك في هيئته وشكله، أو اشتراك يقع بحسب التّركيب3، لا بحسب لفظ مفرد، أو لأجل صادق مركّبًا، وقد فُصل فظُنّ صادقا، أو لأجل صادق تفاريق، وقد رُكّبت فظُنّ صادقاً4. وأمّا المعنوي، فإما أن يكون بالعَرَض5، وإمّا من جهة سوء اعتبار شروط الصدق في الحمل6، وإمّا لعُقم القرينة. وإمّا لإيهام عكس اللّوازم7، وإمّا للمصادرة على المطلوب الأوّل8، وإمّا لأخذ ما ليس بعلّة عّة9، وإمّا لجمع المسائل في مسألة10، فلا يتميّز المطلوب واحدا بعينه.

ابن سينا: النجاة ص: 126- 127-130-131 الطبعة الثانية، تحقيق عبد الرحمان بدوي دار القلم 1980 بيروت

تقديم المؤلف

ابن سينا

ابن سينا (980 م - 1037 م) هو أبو الحسن ابن سينا. فيلسوف وطبيب وعالم، من كبار فلاسفة المسلمين وأطبّائهم، يلقّب: ((بالشيخ الرئيس)). يُعّد مذهب ابن سينا أوسع نتاج موسوعيّ في الفكر الفلسفي الإسلامي وقد مزج فيه بين العقيدة الإسلامية والفكر الفارسيّ وفلسفة أرسطو وأجزاء من فلسفة أفلاطون وأفلوطين، لكن الاتجاه الغالب في مذهبه هو الفلسفة المشّائيّة، غير أن ذلك لم يمنعه من الاستقلال بفكره الخاص ويتجلّى ذلك في "فلسفته المشرقية". لقد قدّم ابن سينا من خلال مؤلّفه "الشفاء" أوفَى دائرة معارف فلسفية عرفتها القرون الوسطى، وكان تأثيره في العالم الإسلامي واللاتيني - الأوروبي في العصر الوسيط هائلا، حتّى أنّ كتاب "القانون في الطب" بقي ما يناهز الخمسة قرون مرجعا رئيسيّا للأطبّاء.

لابن سينا مؤلّفات عديدة في المنطق وعلم الطبيعة وما بعد الطبيعة، والطب والشعر، من أهمها: "الشفاء"، "النجاة"، "الإشارات والتنبيهات"، "القانون في الطب" ...

المفاهيم والمصطلحات

  • القياس المطلوب به إنتاج الشيء: يقصد بذلك إنتاج القول في مجال الجدل والخطابة وتحديدا القياس السفسطائي. (أنظر نافذة الدعائم تقديم كتاب الارغانون)
  • الاشتراك في جوهر اللفظ المفرد: هو أن يحتمل اللفظ الواحد معان عديدة متباينة، مثال ذلك لفظ "جُبن" يدلّ على الخوف كما يدلّ على المادّة الغذائية المشتقّة من الحليب، أو لفظ "عين" فهو يدلّ على ينبوع الماء، كما يدلّ على عضو الإبصار، كما يدلّ على الجاسوس.
  • اشتراك يقع بحسب التركيب: يوضّحه ابن رشد في كتابه تلخيص السفسطة (ص 18) بقوله: "تردّد الضمير بين معنى أكثر من واحد. مثل قول القائل: ما يعرف الإنسان فهو يعرف، والإنسان يعرف الحجر، فالحجر إذن يعرف. وإنّما وقعت المغالطة، لأنّ لفظ "يعرف" قد يقع على العارف والمعروف."
  • ظُنّ صادقا: مثال ذلك قول القائل: " الخمسة منها زوج، والخمسة منها فرد، فالخمسة إذن زوج وفرد وذلك كذب، فإنّ الزوجية والفردية إنّما صَدَق كلّ واحد منها على جزء من الخمسة غير الجزء الذي صَدَق عليه الآخر. فإذا حُمِل على الكلّ كان كاذبا." (تلخيص السفسطة لابن رشد ص 22).
  • بالعَرَض: مثل أن نقول: "إنّ زيدا غيرُ عمرُو، وعمرُو إنسان، فزيد غير إنسان." أورده ابن سينا في كتاب السفسطة (ص 20-21).
  • الحَمْلُ: هو " الحكم بثبوت (وجود) شيء هو المحمول لشيء هو الموضوع أو بنفيه عنه، كقولنا: زيد كاتب، زيد ليس بكاتب" (ابن سينا: عيون الحكمة ص 4)
  • إيهام عكس اللوازم: "أعني باللوازم كلّ محمول على الكلّ ذاتيّ أو عرضيّ، وكلّ لازم للوضع في المتّصلات ... " (كتاب "السفسطة" ص 24.23) مثال ذلك: قد يَعرِضُ للأرض أن تندى إذا مَطَرَت، فإن كانت نديّة توهّمنا أنّها قد مَطَرَت، وهذا ليس واجبا ضرورة.
  • المصادرة على المطلوب الأوّل: "هو أن يُجعَل المطلوبُ نفسُه مقدّمةً في قیاس یُراد به إنتاجه كمن يقول: إنّ كلّ إنسان بشرٌ، وكل بشر ضحّاك، فكل إنسان ضحّاك. والكبرى هنا والنتيجة شيء واحد، ولكن أُبدل الاسم احتيالا ليوهم المخالفة ... " (كتاب "السفسطة" ص23).

أسئلة الفهم والتحليل

  1. استحضر أمثلة من المغالطات الخارجة عن القياس من مجال السجالات الإيديولوجية والسياسية.
  2. صنّف المغالطات المنطقية التالية في جدول بحسب اللفظ والمعنى:
    • ضَربُ زيدٍ مُثيرٌ للغايةِ.
    • إن كلّ حامِلٍ منتفخةُ الجوف فكلّ مننتفخة الجوف حامِلٌ.
    • ما علِمَ الإنسان فهو عِلْمُهُ، والإنسان يَعلَم الثّور، فإنّ الإنسان هو ثور.
    • إنّ الشرّ يُنْتَفَعُ به والذي يُنتفع به خیر، فالشرّ خیر.
    • ما ليس بموجود فهو متوهّم، والمتوهّم موجود، فما ليس بمَوْجود فهو مَوْجود.

إجابات مقترحة

الإجابة عن السؤال الأول:

من الأمثلة على المغالطات الخارجة عن القياس في المجال السياسي والإيديولوجي: 1. الشخصنة (تخجيل الخصم): كأن يهاجم سياسي خصمه بصفاته الشخصية بدلاً من مناقشة أفكاره. 2. الاستهزاء والسخرية: كاستخدام النكات والتهكم لتقويض موقف سياسي دون مناقشة الحجج. 3. قطع الكلام: كما يحدث في المناظرات التلفزيونية عندما يقطع أحد المتحاورين الآخر لمنعه من إتمام حجته. 4. الإغراب اللغوي: استخدام مصطلحات معقدة أو أجنبية لإرباك الخصم وإعطاء الانطباع بالتفوق المعرفي. 5. استعمال ما لا مدخل في المطلوب: كالحديث عن ماضي الخصم الشخصي في مناقشة سياسات حاضرة.

الإجابة عن السؤال الثاني:
المغالطة التصنيف التحليل
ضَربُ زيدٍ مُثيرٌ للغايةِ. لفظية (اشتراك) اشتراك لفظ "ضرب" بين الضرب البدني والإثارة العاطفية
إن كلّ حامِلٍ منتفخةُ الجوف فكلّ منتفخة الجوف حامِلٌ. معنوية (عكس اللوازم) عكس الحمل حيث الحملة تنتفخ بطونها، ولكن ليس كل منتفخ البطن حاملاً
ما علِمَ الإنسان فهو عِلْمُهُ، والإنسان يَعلَم الثّور، فإنّ الإنسان هو ثور. لفظية (اشتراك التركيب) تردد الضمير في "ما يعرف الإنسان" بين المعرفة والمعلوم
إنّ الشرّ يُنْتَفَعُ به والذي يُنتفع به خیر، فالشرّ خیر. معنوية (بالعرض) الشرّ يُنتفع به عرضاً، وليس كل ما يُنتفع به خيراً بالذات
ما ليس بموجود فهو متوهّم، والمتوهّم موجود، فما ليس بمَوْجود فهو مَوْجود. معنوية (إيهام عكس اللوازم) الوجود الذهني للشيء المتوهم لا يعني وجوده في الخارج

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

يقدّم ابن سينا في هذا النص تصنيفاً منهجياً دقيقاً للمغالطات المنطقية التي تقع في الاستدلال والجدل. يؤكد أن المغالطات تنقسم إلى نوعين رئيسيين: مغالطات لفظية تنشأ من مشاكل في اللغة والتعبير، ومغالطات معنوية تنشأ من أخطاء في المضمون والمحتوى الفكري. هذا التصنيف يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التفكير البشري وأوجه ضعفه، ويهدف إلى تزويد الباحث بأداة للتمييز بين الاستدلال الصحيح والاستدلال الفاسد.

آليات عمل المغالطات:

تعمل المغالطات اللفظية من خلال عدة آليات: اشتراك اللفظ المفرد في معان متعددة، واشتراك يحدث في التركيب اللغوي، والخلط بين الصدق في التركيب والصدق في التفريق. أما المغالطات المعنوية فتعمل من خلال: الخلط بين العرض والذات، وسوء فهم شروط الحمل المنطقي، وضعف القرائن، وإيهام عكس اللوازم، والمصادرة على المطلوب، وأخذ ما ليس بعلة على أنه علة، وجمع المسائل المختلفة في مسألة واحدة. هذه الآليات تكشف كيف يمكن للغة والتفكير أن يصبحا أدوات للخداع عندما لا يتم الالتزام بقواعد المنطق الصارمة.

نتائج انتشار المغالطات:

تؤدي انتشار المغالطات المنطقية إلى عواقب خطيرة على مستوى الفرد والمجتمع. على المستوى الفكري، تمنع المغالطات الوصول إلى الحقيقة وتشوّه عملية الاستدلال. على المستوى الاجتماعي، تتحول المغالطات إلى أدوات للتلاعب بالرأي العام وإقناع الناس بآراء فاسدة. في المجال السياسي، تستخدم المغالطات لتبرير سياسات غير عادلة أو لنشر الأيديولوجيات الزائفة. كما أن انتشار المغالطات يضعف القدرة على النقاش العقلاني ويحول الحوار إلى مجرد صراع على الهيمنة بدلاً من بحث عن الحق.

دلالات وأبعاد المفهوم:

يحمل تحليل ابن سينا للمغالطات دلالات عميقة تتجاوز المنطق الصوري إلى أبعاد اجتماعية وتربوية. فتصنيفه الدقيق للمغالطات يمثل محاولة جادة لحماية العقل البشري من أخطائه الذاتية ومن محاولات التضليل الخارجية. هذا العمل يظهر أن المنطق ليس مجرد علم نظري، بل هو أداة عملية للدفاع عن الحقيقة في مجالات الحياة المختلفة. كما أن اهتمام ابن سينا بالمغالطات الخارجة عن القياس (كالاستهزاء وقطع الكلام) يظهر وعياً بأهمية الجوانب النفسية والاجتماعية في عملية الإقناع والجدل. هذا التحليل ما زال يحتفظ بأهميته في عصرنا الحالي، حيث تنتشر المغالطات في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق.