مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: في ضرورة التمييز بين المشكل الحقيقي والمشكل الرَّائف - ميشال ميار

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

إن الاعتقاد بأن الحقيقة والخطأ صفتان تتعلّقان فقط بالحلول أو بالأجوبة هو من الأحكام المسبقة الأكثر شيوعا. ولكن وقائع عديدة في تاريخ الفكر الديني والفلسفي والعلمي تكشف للإنسان أن خطأ بعض الحلول إنما يعود إلى أنّ المشاكل نفسها قد أسيئ طرحها أو هي مشاكل مغلوطة. وهو ما يستدعي النظر في ما إذا لم يكن من الضروري مراجعة صياغتنا للمشاكل ذاتها وضبط المعايير قصد التعرّف إلى أشباه المشاكل والتحرّر منها.

في ضرورة التمييز بين المشكل الحقيقي والمشكل الرَّائف

إن كنّا نطرح سؤالا، فذلك لحلّه. فمعنى السؤال إنما يكمن في قابليّته للحل. إن السؤال الذي لا معنى (1) له هو سؤال غير قابل للحلّ. وإذا ما كان السؤال بلا معنى، فذلك يعني أنه سؤال عبثيّ. إنه يوهمنا بأنه سؤال، وهو في الواقع مشكل زائف. تكمن العبثيّة في أننا نطرحه وذلك لأنه لا يمكّن من الحصول على ما نُقدِّر أنه يسمح بالحصول عليه. وإنه لمن العبث أن نريد الحصول على جواب مستحيل، أي أن نطرح سؤالا محكوما عليه منذ البدء بأن يبقى دون إجابة. إنه من جهة ما هو سؤال فاقد لكل دلالة. ويظلّ بالإمكان طبعا أن نطرح دائما ذلك السؤال (2) ونعتقد أنه بالإمكان الإجابة عنه، وإلا ما كنّا لنطرحه، لكن لو حصل ذلك لكان نتيجة جهل أو توهّم: إنّ طرح سؤال لا معنی له لا یکفي لإکسابه دلالة هو فاقد لها، كما لو كان مجرّد طرحه کافیا لإ كسابه دلالة.

ميشال ميار، في علم المشاكل، ترجمة لجنة التأليف، Michel Meyer «De la problématologie», Livre de poche, p.50

(*) لا يُقدِّم الكاتب في هذا النص أطروحته الخاصة بشأن المشكل الفلسفي بل يقتصر على عرض الأطروحة الوضعية المنطقية في هذا الشأن ممهّدا بذلك لنقدها (أنظر الفصل الأول من مؤلفه "علم المشاكل")

تقديم المؤلف

ميشال ميار

ميشال ميار (1950): فيلسوف بلجيكي معاصر، ورئيس "المركز الأوروبي لدراسة الحجاج". عُرف بمشروعه الفلسفي المتمثل في "علم المشاكل" (Problematologie) الذي يسعى من خلاله إلى مجاوزة أزمة الخطاب الفلسفي المعاصر وذلك بإعادة الاعتبار إلى المساءلة بما هي مبدأ الفلسفة الجذري بامتياز، وهو مبدأ وقع كبته والتعتيم عليه، خلال تاريخ الفلسفة، بفعل هيمنة نموذج للعقل هو نَمُوذَجُ القضايا القابلة للتبرير (Modele propositionnel de la raison) أي التي تحيل على قدرة العقل على تقديم أجوبة حاسمة وملزمة. وإذا كانت مهمّة الفلسفة الأصيلة هي الاستمرار في المساءلة والأشكلة فإن "علم المشاكل" يستوجب تمييز الأسئلة الوجيهة التي يتوجّب طرحها، عن الأسئلة الزائفة، والتعرّف إلى الأجوبة الأصيلة لتمييزها عن الإقرارات الخالية من المعنى.

من أهم مؤلفاته: "المنطق واللغة والحجاج" (1982)، "الفيلسوف والأهواء" (1991)، "من أجل نقد للأنطولوجيا" (1991)، "في علم المشاكل" (1994)، "المساءلة والتاريخية" (2000)، "الخطابة" (2004)، "ما هو الحجاج؟" (2005).

المفاهيم والمصطلحات

  • معنى: في هذا تنبيه إلى شرط من شروط بناء المشكل الحقيقي وهو أن يكون قابلا للحلّ، وهذا الشرط يُحيل على ما تعتبره الوضعية المنطقية (فيتغنشتاين) معيار القضية المقبولة منطقيا، وهو إحالتها على مرجع واقعي يمكن بالرجوع إليه الحسم في ما إذا كانت القضيّة صائبة أم خاطئة.
  • السؤال: أن يظلّ مشكل ما يُطرح ويُعاد طرحه باستمرار فذلك لا يمثّل ضمانة كافية لوجاهة طرحه ولا للحكم بأنّه مشكل أصيل، فقد لا تعود استمرارية طرحه إلاّ إلى الطّابع العنيد لبعض الأوهام الإيديولوجية التي يقترن بها طرح بعض المشاكل في علاقة بالمناخ الثقافي والتاريخي الذي يشكّل أرضية طرحها.
  • المشكل الزائف: هو سؤال أو إشكال يبدو في الظاهر وكأنه مشكل حقيقي قابل للحل، لكنه في الواقع سؤال عبثي لا معنى له لأنه لا يمكن الإجابة عنه أو لأنه يطرح بطريقة خاطئة تجعل الحل مستحيلاً.
  • الوضعية المنطقية: تيار فلسفي يعتبر أن القضايا الفلسفية التقليدية هي قضايا زائفة لأنها لا تخضع للتحقق التجريبي، وبالتالي فهي لا معنى لها من الناحية المعرفية.

أسئلة الفهم والتحليل

  1. أحدّد المعيار الذي يميّز به الكاتب المشاكل الحقيقيّة عن المشاكل الزائفة.
  2. أستحضر في ضوء المعيار الذي عرضه الكاتب في النص أمثلة عن مشاكل زائفة في تاريخ الفكر الأسطوري والديني والفلسفي والع科学ي.
  3. أحدّد ما يتعيّن عليّ اتخاذه من موقف عندما يُطرح عليّ سؤال ما، مرتّبا الإمكانيات التالية ومعلّلا ذلك:
    • أجتهد في الإجابة عن السؤال
    • أنظر في بنية السؤال
    • أبحث عن المفترضات الضمنية للسؤال
    • أتثّت من قابلية السؤال للحلّ
  4. أنظر في ما إذا كانت بعض المشاكل التي لم تُحسم (مثل مشكل الحرية) هي مشاكل بلا معنى.

إجابات مقترحة

الإجابة عن السؤال الأول:

يميّز الكاتب بين المشاكل الحقيقية والمشاكل الزائفة بناءً على معيار "القابلية للحل". فالمشكل الحقيقي هو الذي يكون قابلاً للحل، أي أنه يمكن الوصول إلى إجابة عليه. أما المشكل الزائف فهو سؤال لا معنى له، لا يمكن حله أصلاً لأنه يفتقر إلى الدلالة أو لأنه يُطرح بطريقة تجعل الإجابة عليه مستحيلة. المشكل الزائف يبدو كسؤال حقيقي لكنه في الواقع عبثي، لأنه لا يمكن من الحصول على ما نتوهم أنه يسمح بالحصول عليه.

الإجابة عن السؤال الثاني:

من أمثلة المشاكل الزائفة في تاريخ الفكر:
في الفكر الأسطوري: سؤال "من خلق الله؟" - هذا سؤال زائف لأنه يفترض أن الخالق نفسه يحتاج إلى خالق، وهو افتراض يتناقض مع مفهوم الإله الخالق غير المخلوق.
في الفكر الديني: "كم عدد الملائكة الذين يمكن أن يقفوا على رأس دبوس؟" - سؤال شكلي لا معنى له لا يؤدي إلى أي معرفة حقيقية.
في الفكر الفلسفي: بعض الأسئلة الميتافيزيقية التي تطرحها المثالية المطلقة حول "ماهية الوجود في ذاته" دون إمكانية التحقق منها.
في الفكر العلمي: محاولات بناء "آلة الحركة الدائمة" التي تنتهك قوانين الديناميكا الحرارية - مشكلة زائفة لأن حلها مستحيل فيزيائياً.

الإجابة عن السؤال الثالث:

الترتيب المنطقي للموقف عندما يُطرح عليّ سؤال ما هو:
1. أتثّت من قابلية السؤال للحلّ: أولاً يجب التأكد من أن السؤال قابل للحل، أي أنه ليس سؤالاً زائفاً أو عبثياً.
2. أنظر في بنية السؤال: أفحص صياغة السؤال وهل هي واضحة ومحددة أم غامضة وعامة.
3. أبحث عن المفترضات الضمنية للسؤال: أكتشف الافتراضات الخفية التي يستند إليها السؤال والتي قد تجعله زائفاً.
4. أجتهد في الإجابة عن السؤال: فقط بعد التحقق من أن السؤال حقيقي وقابل للحل، أبدأ في البحث عن الإجابة.
هذا الترتيب ضروري لأنه يمنع تضييع الوقت والجهد في محاولة حل مشاكل زائفة.

الإجابة عن السؤال الرابع:

لا يمكن القول إن جميع المشاكل التي لم تُحسم هي بالضرورة مشاكل بلا معنى. فمشكلة الحرية مثلاً، رغم أنها لم تُحسم بشكل نهائي في تاريخ الفلسفة، إلا أنها ليست مشكلة زائفة. فمشكلة الحرية:
1. لها معنى واضح: تتعلق بطبيعة الإرادة الإنسانية وعلاقتها بالضرورة.
2. قابلة للحل نظرياً: يمكن طرح إجابات وحلول لها، حتى لو كانت هذه الحلول متناقضة.
3. لها آثار عملية: تتعلق بمسؤولية الإنسان وأخلاقه.
ما يميّز المشاكل الفلسفية الأصيلة مثل الحرية هو أنها مشاكل "مفتوحة" قابلة لإعادة النظر باستمرار، وليست "مغلقة" بحل نهائي. استمرار طرحها عبر التاريخ لا يعود إلى أنها زائفة، بل إلى تعقّدها وارتباطها بالوجود الإنساني نفسه. الفرق بينها وبين المشاكل الزائفة هو أن الأخيرة لا يمكن حتى تصور إجابة ممكنة لها.

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

يقدم ميشال ميار في هذا النص معياراً أساسياً للتمييز بين المشاكل الحقيقية والمشاكل الزائفة، وهو معيار "القابلية للحل". فالمشكل الحقيقي هو الذي يكون قابلاً للحل وذا معنى، بينما المشكل الزائف هو سؤال عبثي لا معنى له، لا يمكن الإجابة عنه لأنه يُطرح بطريقة تجعل الحل مستحيلاً. النص يدعو إلى ضرورة فحص الأسئلة والمشاكل قبل محاولة حلها، للتأكد من أنها ليست أسئلة زائفة تضيّع الوقت والجهد.

آليات التمييز بين المشكل الحقيقي والزائف:

يعرض النص عدة آليات للتمييز بين المشاكل الحقيقية والزائفة:
1. فحص القابلية للحل: السؤال الحقيقي يجب أن يكون قابلاً للحل، أي أن يمكن تصور إجابة ممكنة له.
2. الكشف عن العبثية: المشكل الزائف يكون عبثياً لأنه لا يمكن من الحصول على ما نعتقد أنه يسمح بالحصول عليه.
3. تحليل المعنى: السؤال الذي لا معنى له هو سؤال زائف، والمعنى هنا مرتبط بإمكانية التحقق والمرجعية الواقعية.
4. التمييز بين الاستمرارية والوجاهة: مجرد أن سؤالاً ما يُطرح باستمرار لا يعني أنه سؤال وجيه، فقد يكون استمرار طرحه ناتجاً عن أوهام إيديولوجية أو ثقافية.

نتائج هذا التمييز:

للتمييز بين المشاكل الحقيقية والزائفة عدة نتائج مهمة:
1. توفير الجهد والوقت: يمنع تضييع الموارد الفكرية في محاولة حل مشاكل زائفة.
2. تطوير منهجية التفكير: يشجع على تطوير عادة فحص الأسئلة قبل الإجابة عنها.
3. نقد التراث الفكري: يمكن من إعادة تقييم المشاكل التقليدية في تاريخ الفلسفة والعلوم.
4. توجيه البحث العلمي: يساعد في توجيه البحث نحو المشاكل الحقيقية التي يمكن أن تؤدي إلى تقدم معرفي.
5. التحرر من الأوهام: يمكن من التحرر من الأوهام الإيديولوجية والثقافية التي تنتج أسئلة زائفة.

دلالات وأبعاد المفهوم:

يحمل تحليل ميشال ميار لدور "علم المشاكل" دلالات عميقة تتجاوز التمييز البسيط بين الأسئلة:
1. نقد الفلسفة التقليدية: يشكل النص جزءاً من مشروع ميار الأوسع لنقد النموذج الفلسفي القائم على تقديم الأجوبة الجاهزة، وإعادة الاعتبار للمساءلة كجوهر الفلسفة.
2. الحوار مع الوضعية المنطقية: النص يتبنى مؤقتاً موقف الوضعية المنطقية (كما يذكر في الحاشية) الذي يرى أن العديد من المشاكل الفلسفية التقليدية هي مشاكل زائفة، لكن ميار يهدف إلى تجاوز هذا الموقف نحو تأسيس "علم للمشاكل".
3. أهمية صياغة المشاكل: يشير النص ضمناً إلى أن خطأ الحلول قد يعود إلى خطأ في صياغة المشاكل نفسها، مما يبرز أهمية "فن طرح السؤال" في الفلسفة والعلوم.
4. البعد التحرري: التمييز بين المشاكل الحقيقية والزائفة له بعد تحرري، لأنه يمكن من التحرر من الأسئلة العبثية التي تشغل الفكر دون طائل.
5. تأسيس فلسفة جديدة: يمهد هذا التمييز الطريق لمشروع ميار في تأسيس "علم المشاكل" كبديل للنموذج الفلسفي التقليدي، فلسفة تعيد الاعتبار للمساءلة والتساؤل كفعل تأسيسي للفكر.