تحليل النص: مشكل الهدف من الحياة - سيغموند فرويد
التمهيد
غالبا ما يتبرّم الإنسان ممّا يُشكِلُ عليه من أسئلة هي من الإعضال والاستعصاء بحيث تُورِثه من القلق ما يُفسد عليه متعة الحياة، ولكنّ التفحّص الدقيق لبعض هذه الأسئلة قد يُثبت أنّها ليست سوى أشباه مشاكل. لذلك فإنّ الإنسان مدعوّ إلى إعادة الاعتبار للسؤال وإلى إيلائه من القيمة على جهة الفحص والتثّت ما يمكّنه من التمييز بين المشكل الحقيقي والمشكل الزائف.
مشكل الهدف من الحياة
إنّ مسألة الهدف1 من الحياة الإنسانية قد طُرحت على بساط البحث مرارا لا تُحصى، بَيْد أنّها لم تجد إلى الآن الجواب الشافي. ولعلّها لا تنطوي على أيّ جواب البتّة. والعديد من المفكّرين "السائلين"2 الذين طرحوها أضافوا قولهم: إذا اتّضح أنّ الحياة ليس لها أيّ هدف، فستفقد في نظرنا كلّ قيمة. لكنّ هذا التهديد لا يُغيّر في واقع الأمر شيئا، ولعلّ الأصحّ هو أنّه من حقّنا أن ننحّي السؤال جانبا3، إذ أنّه يرجع في أصله، على ما يبدو لنا، إلى تلك الكبرياء الإنسانية4 التي نعرف أساسا العديد من مظاهرها الأخرى، فليس ثمّة أبدا من يتكلّم عن هدف حياة الحيوانات، اللهمّ إلّ ليُقرّر أنّ الحيوانات لم تُوجد إلّ لخدمة الإنسان. لكن وجهة النظر هذه لا سند لها هي الأخرى، إذ كثيرة هي الحيوانات التي لا يعرف الإنسان ماذا يفعل بها - غير أن يصفها ويُصنّفها ويدرسها- وجمّة حقّا هي الأنواع التي تملّصت من هذا الاستعمال لأنّها عاشت وانقرضت حتى قبل أن يقع عليها نظر الإنسان.
سيقموند فرويد، قلق في الحضارة، ص 22.21 - Freud, "Malaise dans la civilisation"
تقديم المؤلف
الهوامش والمفاهيم
- الهدف من الحياة: إشارة إلى مبحث الغاية في انفتاحه على ما وراء الحياة نفسها. ويُقدِّر فرويد أنّه مشكل زائف.
- السائلين: وضع العبارة بين معقوفين يُشير إلى أنّ هؤلاء "السائلين" لم يفعلوا غير أن أعادوا طرح سؤال قديم وإذن فإنّهم كانوا ضحّيّة فكر سائد حاصر فكرهم بأسئلته وأجوبته، وأنّ الارتقاء إلى مرتبة السائل الحقيقي يقتضي القطع مع هذا السؤال الزائف المتعلّق بمسألة الهدف من الحياة، لأنّ المعنى هو ما يُضفيه الإنسان بفكره على وجوده لا ما يرثه.
- أن ننحّي السؤال جانبا: يقترح فرويد في الصفحة الموالية لهذا النص من مؤلّفه "قلق في الحضارة"، استبدال سؤال الهدف من الحياة بسؤال آخر يعتبره وجيها ويصوغه كالتالي: "ما المقاصد وما المرامي الحيويّة التي ينمّ عنها سلوك البشر ؟ ماذا يطلبون من الحياة وإِلاَمَ يَرْمون ؟" وهي صياغة تهدف إلى استبدال سؤال الهدف من الحياة بسؤال عن المقاصد والمرامي الحيويّة وذلك لقطع الطريق أمام سؤال يتكرّر خطأ أو زورا ويربط الحياة بغاية خارجة عنها.
- الكبرياء الإنسانية: إحالة على ما ظلّ قناعة لدى الإنسان إذ تمسّك وعلى مدى قرون بكبرياء ألهمته أنّه أشرف المخلوقات وأنّه ابن السماء وأنّ كلّ شيء في الطبيعة جُعل من أجله، غير أن تاريخ التحوّلات العلمية بيّن كيف نالت هذه الكبرياء من الطعنات ما أضعفها، فالثورة الكوبرنيكية أطاحت بمركزية الأرض ومن ثمّة بمركزية الإنسان، وهو ما أكّدته الثورة البيولوجية التي بيّنت أنّ الإنسان من سلالة حيوانية ... ويأتي التحليل النفسي مع فرويد ليثبت أن الحياة النفسية تحكمها قوى لاشعورية، وبذلك تكتمل الطعنة الثالثة في كبرياء هي في الأصل موهومة.
المهام
- أَستخرج من النص الحجج التي اعتمدها الكاتب لبيان عدم وجاهة السؤال عن الهدف من الحياة.
- أحدّد المعايير التي اعتمدها في ذلك.
- أُميّز داخل القائمة التالية بين المشاكل الحقيقية وأشباه المشاكل (نوع المشكل) وأُعيّن المقياس المعتمد في التمييز.
الأسئلة المقياس المعتمد نوع المشكل ما الذي يجوز لي أن آمل ؟ ما جنس الملائكة ؟ هل للأشباح وجود حقيقي ؟ هل يحقّ للمرأة العربية أن تتقلّد مناصب سياسية ؟
إجابات مقترحة
الإجابة عن السؤال الأول:
الحجج التي اعتمدها فرويد لبيان عدم وجاهة السؤال عن الهدف من الحياة:
1. عدم وجود جواب شافٍ: رغم تكرار طرح السؤال عبر التاريخ، إلا أنه لم يجد إجابة مُقنعة، مما قد يشير إلى أنه سؤال خاطئ في الأساس.
2. عدم ارتباط الهدف بالقيمة: رفض فكرة أن الحياة بدون هدف تفقد قيمتها، مؤكدًا أن هذا التهديد لا يغير من الواقع شيئًا.
3. المقارنة مع الحيوانات: ندرة الحديث عن هدف حياة الحيوانات يدل على أن السؤال خاص بالإنسان فقط، مما يشير إلى أنه نابع من كبرياء إنساني وليس من حقيقة موضوعية.
4. عدم شمولية الفكرة: فكرة أن الحيوانات خلقت لخدمة الإنسان لا سند لها، فهناك حيوانات لا فائدة عملية معروفة للإنسان منها، بل وأنواع انقرضت قبل أن يعرفها الإنسان.
الإجابة عن السؤال الثاني:
المعايير التي اعتمدها فرويد في الحكم على سؤال الهدف من الحياة:
1. معيار المنفعة والتجربة: هل يمكن التحقق من الإجابة تجريبيًا أو عمليًا؟
2. معيار الشمولية: هل ينطبق السؤال على جميع الكائنات الحية أم على الإنسان فقط؟
3. معيار الأصالة: هل السؤال أصيل ونابع من حاجة حقيقية أم أنه مُستورد من فكر سابق؟
4. معيار النتائج العملية: هل يؤدي طرح السؤال إلى نتائج عملية مفيدة أم أنه يعيق التفكير؟
5. معيار النقد الذاتي: هل نطرح السؤال لأننا نبحث عن الحقيقة أم لأنه يُرضي كبرياءنا الإنسانية؟
الإجابة عن السؤال الثالث:
| الأسئلة | المقياس المعتمد | نوع المشكل |
|---|---|---|
| ما الذي يجوز لي أن آمل ؟ | معيار الواقعية والتجربة | مشكل حقيقي |
| ما جنس الملائكة ؟ | معيار التحقق التجريبي | شبه مشكل |
| هل للأشباح وجود حقيقي ؟ | معيار الأدلة العلمية | شبه مشكل |
| هل يحقّ للمرأة العربية أن تتقلّد مناصب سياسية ؟ | معيار الحقوق والعدالة | مشكل حقيقي |
التفسير: المشكل الحقيقي هو الذي يمكن البحث فيه بناءً على معايير موضوعية ويؤدي إلى نتائج عملية، بينما شبه المشكل هو سؤال لا يمكن التحقق من إجابته تجريبيًا أو لا يؤدي إلى نتائج عملية مفيدة.
تحليل النص
الأطروحة الأساسية:
يطرح فرويد فكرة جذرية مفادها أن سؤال "الهدف من الحياة" هو سؤال زائف لا معنى له، وينبع من الكبرياء الإنساني أكثر من كونه نابعًا من حاجة فكرية حقيقية. يدعو فرويد إلى التخلي عن هذا السؤال واستبداله بأسئلة أكثر عملية تتعلق بمقاصد البشر ومراميهم الحيوية في الحياة الواقعية.
آليات تفكيك السؤال الزائف:
يعتمد فرويد على عدة آليات لتفكيك سؤال الهدف من الحياة:
1. التاريخية: يشير إلى أن السؤال طرح مرارًا ولم يجد إجابة، مما قد يدل على أنه سؤال خاطئ.
2. المقارنة: يقارن بين وضع الإنسان والحيوان ليبين أن السؤال خاص بالإنسان فقط.
3. النقد الأنثروبولوجي: يربط السؤال بالكبرياء الإنساني والتعلق بمركزية الإنسان في الكون.
4. النفعية: يبحث عن الجدوى العملية من طرح السؤال ويفضل الأسئلة التي تؤدي إلى نتائج عملية.
نتائج التمييز بين المشكل الحقيقي والزائف:
- تحرير الفكر: التحرر من الأسئلة الزائفة التي تشغل الفكر دون فائدة.
- تركيز الجهود: توجيه الطاقة الفكرية نحو الأسئلة الحقيقية التي يمكن البحث فيها.
- التواضع المعرفي: التخلي عن الكبرياء الإنساني المبالغ فيه.
- الواقعية: التركيز على الحياة الواقعية ومشاكلها بدلاً من التساؤلات الميتافيزيقية.
- الإنتاجية الفكرية: زيادة إنتاجية التفكير الفلسفي بتوجيهه نحو القضايا القابلة للحل.
دلالات وأبعاد المفهوم:
يحمل تحليل فرويد للمشكل الزائف دلالات عميقة في الفلسفة وعلم النفس:
1. النقد الفلسفي: يمثل نموذجًا للتفكيك النقدي للأسئلة الفلسفية التقليدية.
2. التحليل النفسي: يكشف عن الجذور النفسية (الكبرياء) للعديد من التساؤلات الفلسفية.
3. المنهج العلمي: يؤكد على أهمية المعايير التجريبية والواقعية في تقييم الأسئلة.
4. التحرر الفكري: يدعو إلى التحرر من قيود الفكر التقليدي والأسئلة المُورَثة.
5. التركيز على الذاتية: ينقل الاهتمام من الأسئلة الميتافيزيقية إلى البحث عن المعنى الذاتي للحياة.
هذا النص يمثل تحولاً مهماً في الفكر الغربي من البحث عن معانٍ مطلقة خارجية إلى البحث عن المعنى الداخلي الذاتي للحياة الإنسانية.