مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: في المشاكل التي لا وجود لها - هنري برغسون

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

إن اكتشاف وجود أشباه مشاكل يُحمِّلنا مسؤولية تتجاوز حدود مقاومة الخطأ على صعيدي الفكر والممارسة وذلك بمقاومة خطرٍ أكثر جذريّة ألا وهو مناخ الوهم الذي يُخيِّم على فكرنا والمتمثّل في نزوعنا إلى طرح أصناف من المشاكل لاتَتَبَيَّنُ مباشرة طابَعها المغلوط فَنَبْقَى نَتخبّط فيها. ولا أمل في مقاومة هذا الخطر ما لم يَعمل الفكر على ضبط معايير يتعرّف في ضوئها إلى المغلوط من المشاكل ويستبعدها على طريق بنائه للمشاكل الحقيقية والاضطلاع بها.

في المشاكل التي لا وجود لها

إن هذا الجهد المتمثّل في الاندماج مجددا في الوثبة الحيوية1 سيطرد عددا من أشباح مشاكل تُرهق الميتافيزيقي، أي كل واحد منا، أقصد تلك المشاكل المقلقة وغير القابلة للحلّ التي لا تهتمّ بما هو موجود وإنما تهتمّ بالأحرى بما ليس موجودا.

ذلك شأن مشكل أصل الوجود، "كيف أمكن لشيء ما أن يوجد، مادة كان أو روحا أو الله؟ كان لا بدّ من علّة للعلّة، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية"، فنحن إذن نرتقي من علّة إلى علّة، وإذا تَوقّفنا في مستوى ما، فليس لأن عقلنا أصبح لا يبحث عن شيء وراء ذلك، بل لأنّ خيالنا ينتهي به الأمر إلى إغماض عينيه وكأنه أمام هوّة سحيقة حتى لا يأخذه الدُّوّار2. ذلك هو أيضا شأن مشكل النّظام بوجه عام: " لِمَ يُوجد واقع منظّم يجد فيه الفكر ذاته من جديد كما لو كان أمام مرآة ؟ لِمَ لَمْ يكن العالم بلا نظام؟"

أقول إن هذه المشاكل تتعلّق بما ليس موجودا لا بما هو موجود. وبالفعل ما كنّا لنندهش أبدا لوجود شيء ما، مادة كان أو روحا أو الله لو لم نكن نسلّم ضمنيا أنه بالإمكان ألاّ يُوجد شيء ( ... )، وبالمثل ما كنّا لنتساءل لِمَ يُوجد النظام لو لم نكن نعتقد في وجود فوضى خضعت للنظام وكانت بالتالي سابقة عليه على الأقل. يحتاج النظام إذن إلى تعليل في مستوى التصوّر، في حين أن الفوضى، التي هي موجودة من جهة الحقّ3، لا تستدعي ذلك ( ... ) وتبعا لذلك ما هو مآل مشكليْ أصل النظام وأصل الوجود؟ إنهما يتلاشيان لكونهما لا يُطرحان إلا إذا كنّا نتمثّل الوجود والنظام كما لو كانا حادثين، وإذا كنّا إذن نتمثّل العدم والفوضى باعتبارهما ممكنين أو على الأقل قابلين للتصوّر، إلاّ أن هذا كلّه مجرّد ألفاظ وسراب أفكار4.

هنري برغسون "الفكر والواقع المتحرك"، ترجمة لجنة التأليف
La pensée et le mouvant, œuvre complète, la pléiade, p.1303 -1306

تقديم المؤلف

هنري برغسون
هنري برغسون (1859-1941)

من أهمّ الفلاسفة الفرنسيين في مطلع القرن العشرين وتُعدّ فلسفته ردّة فعل على النزعة الوضعية المهيمنة، وإعادة اعتبار للميتافيزيقا عبر تأكيد قدرتها على بلوغ المطلق كفرادةٍ واختلاف. ويُعدّ مفهوم ((الديمومة)) نقطة الارتكاز في نظريته، والديمومة هي الزمن المعيش أو الحياة أو الحريّة كخلق متجدّد وكحركة انبجاس للجديد دون توقّف. ويُعتبر الحدس منهج الفلسفة بامتياز، فخلافا للذكاء وما يعتمده من وساطات لغوية ومفهومية أبلاها الاستعمال الاجتماعي والنفعي، يُعدّ الحدس إدراكا مباشرا للأشياء ذاتها و"تعاطفا ذهنيا ننتقل به إلى داخل الموضوع ذاته للالتقاء بما هو عليه من فرادة".

من أهمّ مؤلفاته: "الضحك" (1899)، "التطوّر الخلاّق" (1907)، "منبعا الأخلاق والدين" (1932)، "الفكر والواقع المتحرّك" (1934)، ((الطاقة الروحية)) (1939) ...

الهوامش

  • الوثبة الحيوية: مفهوم يلخّص التصوّر الحيوي (Vitalisme) للمسارات البيولوجية، ويُحيل على ما يعرفه تطوّر الأنواع الحيّة من بروز لأشكال أكثر فأكثر تعقيدا، دون أن يكون لهذه الوثبة الحيوية هدف محدّد بصورة مسبقة وخارجية. ويُعتبر الحدس المنهج الأنسب لفهم التطور الخلاّق للحياة، بما يجعل من التساؤل عن سبب "النظام" أو "أصل الوجود" شبه مشكل.
  • الدُّوّار: مجاز يُحيل على مشكل منطقي في التفسير هو عدم القدرة على الارتداد اللامتناهي، فإذا كان لا علم إلّ بمعرفة الأسباب فإن تحديد الأسباب لا يمكن أن يكون لا متناهيا. وهي الصعوبة التي واجهها أرسطو مثلا ودفعته إلى اعتبار أن التسلسل السببي لا بدّ أن يتوقّف عند سبب أول: "المحرّك الأول" وهو لا يتحرّك وحائز على كل الكمالات، إنّه الإله في التصوّر الأرسطي بما هو فعل صرف غير خاضع للتغيّر وصانع كل تغيّر، لا عبر الفعل مباشرة في العالم بل على هيئة نموذج مطلق و"سبب غائي".
  • جهة الحقّ: يمكن التمييز مفهوميّا بين الحقّ والواقع. فما هو من جهة الحقّ (en droit) هو ما يكون مشروعا خلافا لما هو واقع (en fait). وفي سياق النص يشتغل الفكر عند وَضْعِهِ "لمشكل النظام" كما لو أن النظام يفترض أولوية منطقية للفوضى لذلك يعتبر أن الفوضى تتمتّع بالأحقيّة. فالنظام في هذا السياق دالٌ على ما هو واقع والفوضى دالّة على ما هو من جهة الحقّ باعتبار أولويّتها الزمنية والمنطقية على النظام الذي يبقى دائما تنظيما لفوضى أوّليّة مفترضة.
  • سراب أفكار: يختلف برغسون عن الوضعيّين المنطقيين في حكمهم على بعض المشكلات الميتافيزيقية بأنها "أشباه مشاكل". فهو لا يرفض المساءلة الميتافيزيقية، بما هي كذلك، باسم معايير "علميّة" للمشكل الصحيح وإنما يرفض طريقة طرح تلك المشكلات وما تفترضه من مسلّمات خاطئة. وقد أدّت مناقشة برغسون لهذه المسلّمات إلى التمييز بين صنفين من أشباه المشاكل: "مشاكل لا وجود لها" (كمشكل العدم ومشكل النظام) و"مشاكل سيّئة الطرح" (كمشكل الحرية ... ).

المهام

أشتغل على أشباه المشاكل التالية بالإجابة عمّا هو مطلوب بشأنها:
المشكل مفترضاته موقف الكاتب منه المقياس المعتمد في الحكم على المشكل
ما هو أصل الوجود ؟
ما هو أصل النظام ؟
أميّز بين "مشاكل حقيقية" و"مشاكل زائفة" وأعلّل موقفي:
المشكل مشكل حقيقي مشكل زائف
هل أنّ الإنسان مُخَيَّرٌ أم مُسَيَّرٌ ؟
هل لنا أن نتشاءم من الغربان ؟
هل يمكن أن نقبل كلّ شيء باسم حقّ الاختلاف ؟
هل يقتضي تحرّر المرأة أن تثأر لنفسها من الرّجل ؟
أي تأثير للأفلاك على حياة الانسان ؟

إجابات مقترحة

الإجابة عن الجدول الأول:
المشكل مفترضاته موقف الكاتب منه المقياس المعتمد في الحكم على المشكل
ما هو أصل الوجود ؟ يفترض أن الوجود يحتاج إلى سبب خارجي، وأن العدم ممكن ومتصور، وأن السلسلة السببية يمكن أن تكون لامتناهية يرى برغسون أن هذا مشكل زائف لأنه يتعلق بما ليس موجوداً (العدم) بدلاً مما هو موجود. إنه "سراب أفكار" ناتج عن التصور الخاطئ معيار العلاقة بالواقع: المشكلة الحقيقية تتعلق بما هو موجود وقابل للملاحظة، بينما الزائفة تتعلق بما هو غير موجود أو غير قابل للتصور بشكل سليم
ما هو أصل النظام ؟ يفترض أن الفوضى سابقة على النظام منطقياً وزمانياً، وأن النظام يحتاج إلى تفسير بينما الفوضى لا تحتاج يعتبره برغسون مشكلاً زائفاً لأنه يفترض أولوية الفوضى على النظام، بينما الفوضى مجرد مفهوم لا وجود له في الواقع. النظام هو الحالة الأصلية معيار التصور السليم: المشكلة الحقيقية تبنى على تصورات صحيحة للواقع، بينما الزائفة تبنى على تصورات خاطئة أو افتراضات غير واقعية
الإجابة عن الجدول الثاني:
المشكل مشكل حقيقي مشكل زائف التعليل
هل أنّ الإنسان مُخَيَّرٌ أم مُسَيَّرٌ ؟ مشكل حقيقي لأنه يتعلق بطبيعة الإرادة الإنسانية وحدود الحرية، وهي قضايا يمكن بحثها فلسفياً وعلمياً
هل لنا أن نتشاءم من الغربان ؟ مشكل زائف لأنه يقوم على اعتقادات خرافية وليس على حقائق واقعية أو علاقات سببية مثبتة
هل يمكن أن نقبل كلّ شيء باسم حقّ الاختلاف ؟ مشكل حقيقي لأنه يتعلق بحدود التسامح وطبيعة الحقوق الفردية في المجتمع، وهي قضايا أخلاقية وسياسية جوهرية
هل يقتضي تحرّر المرأة أن تثأر لنفسها من الرّجل ؟ مشكل زائف لأنه يطرح المسألة بشكل خاطئ: تحرر المرأة ليس انتقاماً بل تحقيقاً للمساواة والعدالة
أي تأثير للأفلاك على حياة الانسان ؟ مشكل زائف لأنه يقوم على التنجيم وليس على علاقات سببية مثبتة علمياً بين الأجرام السماوية وحياة الأفراد

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

يطرح برغسون في هذا النص أطروحة أساسية مفادها أن العديد من المشاكل الفلسفية التقليدية هي في الحقيقة "أشباه مشاكل" أو "مشاكل لا وجود لها" لأنها تنبع من تصورات خاطئة للواقع وتتعلق بما هو غير موجود (كالعدم والفوضى) بدلاً من التركيز على ما هو موجود وحقيقي. هذه المشاكل الزائفة تُرهق الفكر وتُبعده عن القضايا الجوهرية التي تستحق البحث والتحليل.

آليات توليد المشاكل الزائفة:

تعمل المشاكل الزائفة من خلال عدة آليات:
1. افتراض أولوية المنطق على الواقع: كما في افتراض أن الفوضى سابقة على النظام منطقياً.
2. التصور الخاطئ للعدم: معاملة العدم كشيء موجود أو ممكن التحقق.
3. السعي إلى أسباب لا نهائية: كما في البحث عن "أصل الوجود" الذي يؤدي إلى تسلسل سببي لا متناهٍ.
4. الخلط بين المستوى التصوري والمستوى الواقعي: معاملة الأفكار المجردة كحقائق واقعية.
5. الانفصال عن "الوثبة الحيوية": أي الانفصال عن دينامية الحياة والواقع المتحرك لصالح تصورات جامدة.

نتائج انتشار المشاكل الزائفة:

يؤدي انتشار المشاكل الزائفة إلى عواقب خطيرة على مستوى الفكر والممارسة:
- إرهاق الفكر: إضاعة الوقت والجهد في قضايا لا طائل منها.
- الانفصال عن الواقع: تحول الفلسفة إلى لعبة ذهنية بعيدة عن هموم الحياة الحقيقية.
- عجز عن معالجة المشاكل الحقيقية: تشتيت الانتباه عن القضايا الجوهرية التي تحتاج إلى حل.
- خلق مناخ وهمي: انتشار التصورات الخاطئة التي تشوّه فهمنا للواقع.
- عقبة أمام التطور الفلسفي: استمرار المناقشات حول قضايا أصبحت بالية بسبب تقدم المعرفة.

دلالات وأبعاد المفهوم:

يحمل تحليل برغسون للمشاكل الزائفة دلالات عميقة تتجاوز النقد الفلسفي إلى أبعاد منهجية وتربوية:
1. نقد الميتافيزيقا التقليدية: دون رفض الميتافيزيقا ككل، بل بتصحيح طريقة طرح أسئلتها.
2. الدعوة إلى فلسفة متصلة بالحياة: فلسفة تنبع من "الوثبة الحيوية" وتعود إليها.
3. أهمية المنهج الحدسي: تأكيد دور الحدس كوسيلة للوصول إلى الواقع مباشرة دون وساطات تصورية خاطئة.
4. البعد التربوي: تعليم كيفية تمييز المشاكل الحقيقية من الزائفة كشرط للتفكير السليم.
5. الأهمية المعاصرة: في عصرنا الحالي حيث تنتشر "الأخبار الزائفة" و"المشاكل المصطنعة"، يصبح تطوير القدرة على التمييز بين الحقيقي والزائف ضرورة ملحة للفرد والمجتمع.