مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: المغالطة بواسطة العكس الفاسد - جون ستوارت ميل

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

يتضمّن الخطاب اليوميّ، في مختلف فضاءات إنتاجه الاجتماعيّة (الإشهار، السياسة، الإعلام، المحادثات اليوميّة ... ) بعض الإقرارات التي تعتمد التكميم الكليّ أو الجزئيّ، الإثبات أو النفي ... ، فيخالها المستمعون صيغا لغويّة ومنطقيّة محايدة هدفها الحجاج والربط قصد الإقناع. غير أنّ إمعان النظر فيها يكشف أنّها أدوات قد تُعتمد في مغالطة المستمع أو القارئ. وعندئذ يستحيل على الفرد أن يُحافظ على استقلاله دون أن يمتلك القدرة على تحليل وظيفة هذه الروابط والبنى فيما يصوغه من كلام.

المغالطة بواسطة العكس الفاسد

قد يكون من اللّزم أن نُدرج ضمن المغالطات1 في الاستدلال الأخطاءَ المرتكبة في العمليّات التي تبدو في الظاهر استنتاجات2 مستمدّة من مقدّمات ولكنّها في الواقع ليست كذلك، أعني المغالطات المرتبطة بعكس القضايا3 وبتساويها4، وأعتقد أنّ مثل هذه الأخطاء هي بالتأكيد الأكثر تواترا ممّا نفترضه عموما، وهذا أمر على قدر من الوضوح بحيث يبدو من الصعب إنكاره. فالعكس البسيط، مثلا، القضيّة كلّةٍ موجبة5 (كل أهي ب، إذن كل ب هي أ) هو في اعتقادي من أكثر الأخطاء شيوعا بين النّاس، رغم أنّه يحصل في الغالب ضمنيًا في الفكر أكثر ممّا يُعبّر عنه بصريح العبارة شأنه في ذلك شأن الكثير من المغالطات الأخرى، إذ لا يُمكن أبدا أن يُعلَن بوضوح دون أن يُكشف فورا. ونفس الأمر يَصْدُق على شكل آخر للمغالطة لا يختلف جوهريًا عن المغالطة السابقة وهو العكس الفاسد لقضيّة افتراضيّة6. والعكس السليم لقضيّة افتراضيّة هو التالي: إذا كانت النتيجة كاذبة فإنّ المقدّمة كاذبة، في حين أنّ العكس الآتي: إذا كانت النتيجة صادقة فإنّ المقدّمة صادقة هو عكس بلا قيمة. فهو ليس سوى خطأ يتّفق مع العكس البسيط لقضيّة كلّة موجبة. ومع ذلك، لا شيء أكثر شيوعا في مجرى الفكر المألوف من هذا الاستنتاج. ونفس الأمر يَصْدُق على الخطأ الذي لا يقلّ تواترا والمتمثّل في اعتماد النتيجة حجّة على المقدّمات. وأنّه لا يمكن للمقدّمات أن تكون صادقة إذا ما كانت النتيجة خاطئة، ذلك هو الأساس الذي لا يُعترض عليه للنمط المشروع في البرهان المسمّى الإرجاع إلى الخُلف7.

جون ستوارت ميل، نسق المنطق الاستنتاجيّ والاستقرائيّ، الكتاب الخامس، ترجمة لجنة التأليف، Système de logique déductive et inductive, édt numérique, Livre V, p 69

تقديم المؤلف

جون ستوارت ميل

جون ستوارت ميل (1806-1873): فيلسوف ورجل اقتصاد انجليزيّ اتّخذ من التجربّة على إثر هيوم وبنثام إحداثّة موجّهة لإسهامه الفلسفيّ سواء في مجال المنطق أو نظريّة المعرفة أو الأخلاق. ففي المنطق لا يكون الاستنتاج مشروعا إلاّ كانتقال من قضيّة جزئيّة إلى أخرى جزئيّة نظرا إلى أنّ كلٍ مقدّمة كليّة في الاستنتاج هي نتاج استقراءٍ منطلقه وقائع جزئيّة، في حين أنّ مشروعيّة الاستقراء لا تتحدّد إلا بمدى احترام قواعد صارمة في التحقيق التجريبيّ. أما نظريّته في المعرفة فتقوم على رفض كل ما هو فطريّ في العقل لتأصيل مختلف عمليّاته بشكلٍ ترابطيّ في التجربة. أمّا نظريّته في الأخلاق فهي نفعيّة ترى في المنفعة الخير الأسمى الذي ينشده كل فرد في إطار اجتماعيّ وسياسيّ مشترك مع الآخرين.

من أهمّ مؤلفاته: "نسق المنطق الاستنتاجي والاستقرائي" (1843)، "مبادئ الاقتصاد السياسيّ" (1848)، "في الحريّة" (1859)، "في النفعيّة" (1861)، "في إخضاع النساء" (1869).

الهوامش والمفاهيم

  • المغالطة: هي الاستدلال المختّل الذي يتعمّد صاحبه إخفاء خلله ليبدو بمظهر الاستدلال السليم والمتماسك قصد تضليل المستمعين وإيقاعهم في الغلط. وتختلف المغالطة Sophisme عن الغلط Paralogisme (أنظر نافذة دعائم للتفكير: تحديدات وتمييزات مفهومية.)
  • الاستنتاج: Tinference هو عمليّة استدلاليّة من خلالها ينطلق الفكر من قضيّة أو قضايا تكون بمثابة المقدّمات الكليّة أو الجزئيّة ليستمد منها قضيّة جديدة هي النتيجة.
  • العكس: La conversion هو شكل من أشكال الاستدلال يتمّ بمقتضاه استنتاج قضيّة جديدة من قضيّة أولى معطاة وذلك بعكس العلاقة المنطقيّة بين الموضوع والمحمول كما وردت في الأولى بحيث يصبح الموضوع محمولا والمحمول موضوعا في الثانية. فالعكس في القضيّة التالية: كلّ القطط لها مخالب، يكون باستنتاج القضيّة: إذن بعض الحيوانات التي لها مخالب هي قطط. وفي مقابل ذلك يتحدّد العكس الفاسد كاستدلال مختّل يعكس العلاقة بين الموضوع والمحمول في المقدّمة الكليّة: كل أهي ب، ليستنتج منها: إذن كل ب هي أ بهدف المغالطة. ويتجلّى هذا الأمر دلاليّا من خلال نفس المثال السابق: كل القطط لها مخالب، إذن كل الحيوانات التي لها مخالب هي قطط.
  • التساوي: L'equipollence هو شكل العلاقة القائمة بين قضيتين تفترض كلاهما الأخرى بحيث تقوم بينهما علاقة تساو منطقيّ. مثال ذلك العلاقة القائمة بين القضيّة: كل مربّع هو مُعَيَّنُ قائم الزاوية، والقضيّة: كل مُعَيَّنٍ قائم الزاوية هو مربّع.
  • القضيّة الكليّة الموجبة: القضيّة المنطقيّة هي الحكم الذي يربط بين موضوع ومحمول على نحوٍ يكتسب من خلاله معنى يجعله يحتمل الصدق والخطأ. وللقضيّة المنطقيّة في الاستدلال أشكال مختلفة من جهة الكمّ (كلّة أو جزئيّة) ومن جهة الكيف (موجبة أو سالبة) وتجدر الملاحظة أنّ كل هذه الأصناف من القضايا قابلة للاستعمال كمقدّمات افتراضيّة في الاستدلال.
  • القضيّة الافتراضيّة: هي القضيّة التي يكون شكلها "إذا... فإن..."، مثل: "إذا كان المطر ينزل فإن الأرض تبتل".
  • الإرجاع إلى الخُلف: Lareduction a l'absurde هو استدلال يقود إلى إثبات خطأ قضيّة ما بإبراز أنّها تقود إلى نتيجة واضحة التناقض.

المهام

  1. ألاحظ عمليّة العكس في هذين الاستدلاليْن وأتثّت إن كان العكس مشروعا وأعلّل إجابتي:
    • كل مَن يُمارس الرياضة هو في صحّة جيّدة، إذن كل الذين هم في صحّة جيّدة يُمارسون الرياضة.
    • كل مَن يُمارس الرياضة هو في صحّة جيّدة، إذن بعض الذين هم في صحّة جيّدة يُمارسون الرياضة.
  2. ألاحظ الاستدلال التالي:
    هناك اختلاف طبيعيّ في الذكاء بين الرجال والنساء، إذن الاختلاف في الأدوار الاجتماعيّة بين الرجال والنساء طبيعيّ.
    وأبيّن:
    • إذا كان من الخطأ القول إنّ الاختلاف في الأدوار الاجتماعيّة بين الرجال والنساء طبيعيّ، فهل تكون مقدّمة هذا الاستدلال بالضرورة خاطئة ؟
    • إذا كان من الصواب القول إنّ الاختلاف في الأدوار الاجتماعيّة بين الرجال والنساء طبيعيّ، فهل تكون مقدّمة الاستدلال بالضرورة صائبة؟
  3. أتخيّل مناقشة بين مجموعة من الشباب حول طبيعة توزيع الشؤون المنزليّة بين الذكور والإناث في الأُسَرِ، حيث يسعى أحد المشاركين إلى استعمال العكس قصد المغالطة، ولكنّ أصدقاءه يكشفون ذلك فاضحين بطلان حجاجه.

إجابات مقترحة

الإجابة عن السؤال الأول:

الاستدلال الأول: كل مَن يُمارس الرياضة هو في صحّة جيّدة، إذن كل الذين هم في صحّة جيّدة يُمارسون الرياضة.
نوع العكس: هذا عكس فاسد (عكس بسيط لقضيّة كليّة موجبة).
التحليل: العكس غير مشروع لأنه يعكس العلاقة بين الموضوع والمحمول بشكل كلي. الصيغة الأصلية "كل أ هي ب" لا تعني بالضرورة "كل ب هي أ". قد يكون هناك أشخاص في صحة جيدة لأسباب أخرى غير ممارسة الرياضة (وراثة، تغذية، الخ).
النتيجة: الاستدلال خاطئ ومغالطة.

الاستدلال الثاني: كل مَن يُمارس الرياضة هو في صحّة جيّدة، إذن بعض الذين هم في صحّة جيّدة يُمارسون الرياضة.
نوع العكس: هذا عكس صحيح (عكس جزئي).
التحليل: العكس مشروع لأنه يحول القضية الكلية الموجبة إلى قضية جزئية موجبة. إذا كان "كل ممارس للرياضة في صحة جيدة"، فمن المنطقي أن "بعض الأصحاء يمارسون الرياضة" على الأقل.
النتيجة: الاستدلال صحيح ومنطقي.

الإجابة عن السؤال الثاني:

الاستدلال: هناك اختلاف طبيعيّ في الذكاء بين الرجال والنساء، إذن الاختلاف في الأدوار الاجتماعيّة بين الرجال والنساء طبيعيّ.

الجزء الأول: إذا كان من الخطأ القول إنّ الاختلاف في الأدوار الاجتماعيّة بين الرجال والنساء طبيعيّ، فهل تكون مقدّمة هذا الاستدلال بالضرورة خاطئة؟
التحليل: نعم، تكون المقدمة بالضرورة خاطئة وفقاً لقاعدة "إذا كانت النتيجة كاذبة فإنّ المقدّمة كاذبة". هذا هو العكس السليم للقضية الافتراضية. إذا كان الاستنتاج (الاختلاف في الأدوار الاجتماعية طبيعي) خاطئاً، فلا يمكن أن تكون المقدمة (الاختلاف الطبيعي في الذكاء) صحيحة، لأن ذلك سيؤدي إلى استنتاج صحيح من مقدمة خاطئة، وهو تناقض.

الجزء الثاني: إذا كان من الصواب القول إنّ الاختلاف في الأدوار الاجتماعيّة بين الرجال والنساء طبيعيّ، فهل تكون مقدّمة الاستدلال بالضرورة صائبة؟
التحليل: لا، ليست بالضرورة صائبة. هذا هو العكس الفاسد للقضية الافتراضية الذي يحذر منه ميل. مجرد صحة النتيجة لا تضمن صحة المقدمة. قد تكون النتيجة صحيحة لأسباب أخرى غير تلك المذكورة في المقدمة. مثلاً: قد يكون الاختلاف في الأدوار الاجتماعية طبيعياً لأسباب بيولوجية أو ثقافية مختلفة، وليس بالضرورة بسبب الاختلاف في الذكاء.

الإجابة عن السؤال الثالث:

سيناريو المحادثة:
المُغالِط: "كل النساء يهتممن بالشؤون المنزلية أكثر من الرجال، إذن كل من يهتم بالشؤون المنزلية أكثر هو امرأة."
المُناقِض (يكشف المغالطة): "هذه مغالطة بالعكس الفاسد! أنت تقول 'كل أ هي ب' وتستنتج 'كل ب هي أ'. هذا خطأ منطقي. صحيح أن الكثير من النساء يهتممن بالشؤون المنزلية، ولكن هذا لا يعني أن كل من يهتم بالشؤون المنزلية هو امرأة. هناك رجال أيضاً يهتمون بالشؤون المنزلية، وقد يكونون حتى أكثر اهتماماً من بعض النساء."
المُناقِض (يقدم التحليل المنطقي): "الصيغة الصحيحة للعكس هي: 'كل أ هي ب' → 'بعض ب هي أ'. إذن يمكنك أن تقول: 'بعض الذين يهتمون بالشؤون المنزلية هم نساء'، وهذا صحيح منطقياً. أما قولك 'كل الذين يهتمون بالشؤون المنزلية هم نساء' فهو مغالطة تهدف إلى تعميم خاطئ وتكريس الصورة النمطية."
نتيجة النقاش: يتم كشف المغالطة، ويتعلم المشاركون أهمية التحليل المنطقي للاستدلالات اليومية وتجنب التعميمات الخاطئة.

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

يوضح جون ستوارت ميل في هذا النص أحد أكثر أنواع المغالطات المنطقية انتشاراً في التفكير اليومي، وهي المغالطة بواسطة العكس الفاسد. يؤكد ميل أن الأخطاء الناتجة عن عكس القضايا بشكل غير صحيح هي أكثر شيوعاً مما نعتقد، وتحدث غالباً بشكل ضمني في التفكير قبل أن تُعبّر عنها صراحة. يدعو ميل إلى الحذر من هذه المغالطات وضرورة التمييز بين العكس السليم والعكس الفاسد في الاستدلالات اليومية والفلسفية.

أنواع المغالطات بالعكس الفاسد:

يحدد ميل عدة أشكال للمغالطة بالعكس الفاسد:

1. العكس البسيط للقضية الكلية الموجبة: "كل أ هي ب" → "كل ب هي أ". هذا هو النوع الأكثر شيوعاً، حيث يعكس العلاقة بين الموضوع والمحمول بشكل كلي غير مشروع.

2. العكس الفاسد للقضية الافتراضية: "إذا كانت النتيجة صادقة فإن المقدمة صادقة". هذا خطأ لأن صحة النتيجة لا تضمن صحة المقدمة، فقد تكون النتيجة صحيحة لأسباب أخرى.

3. اعتماد النتيجة حجة على المقدمات: وهو خطأ شائع حيث يعتقد الناس أن صحة النتيجة تثبت صحة المقدمات التي أدت إليها.

4. الخلط بين العكس السليم والعكس الفاسد: حيث أن العكس السليم للقضية الافتراضية هو: "إذا كانت النتيجة كاذبة فإن المقدمة كاذبة"، وهو أساس البرهان بالإرجاع إلى الخلف.

نتائج انتشار المغالطات بالعكس الفاسد:

- تشويه الفكر النقدي: انتشار هذه المغالطات يقوض القدرة على التفكير النقدي والتحليلي.

- تضليل الرأي العام: تستخدم هذه المغالطات في الخطاب السياسي والإعلامي لتضليل الجمهور.

- تعزيز الأحكام المسبقة: تساهم في تكريس الصور النمطية والأحكام المسبقة من خلال تعميمات خاطئة.

- عقبة أمام التقدم العلمي: تعيق التقدم العلمي والفلسفي من خلال استدلالات خاطئة تبدو مقنعة.

- إضعاف الحوار العقلاني: تقوض أسس الحوار العقلاني والمناظرات الفكرية السليمة.

دلالات وأبعاد المفهوم:

يحمل تحليل ميل للمغالطة بالعكس الفاسد دلالات عميقة تتجاوز المنطق الصوري:

1. النقد الاجتماعي: يكشف ميل كيف تستغل المغالطات المنطقية في الخطاب الاجتماعي والسياسي للتأثير على الرأي العام.

2. التجريبية المنطقية: يتفق تحليل ميل مع توجهه التجريبي العام، حيث يربط صحة الاستدلالات بإمكانية التحقق التجريبي.

3. التربية الفكرية: يدعو ميل ضمناً إلى ضرورة التربية المنطقية كجزء من التربية العامة للفرد.

4. نقد الفطريات: يتناغم تحليل المغالطات مع رفض ميل للمعاني الفطرية، حيث يرى أن الأخطاء المنطقية تنتشر بالعادة والتربية لا بالفطرة.

5. التحرر الفكري: يمثل كشف المغالطات وسيلة للتحرر من الأفكار الخاطئة والمسلّمات غير المبررة.

6. الأبعاد الأخلاقية: من منظور ميل النفعي، تعتبر المغالطات ضارة لأنها تقود إلى قرارات خاطئة تضر بالسعادة العامة.

هذا النص يمثل مساهمة مهمة في تعميم الثقافة المنطقية وتحذير القراء من المخاطر العملية للأخطاء المنطقية في الحياة اليومية.