تحليل النص: في شروط القول ببطلان القياس الدوري - أبو حامد الغزالي
التمهيد
يحدث للإنسان أن يفسّر الطبيعي بالطبيعي والنفسي بالنفسي، والاجتماعي بالاجتماعي، لكن رغم وجاهة هذا الاختيار من الناحية المنهجية، فإنّه قد يؤول بنا من الناحية المنطقية إلى الوقوع في مغالطة عُرفت بالدور، وهذا ما يقتضي الوعي بخصائص هذه المغالطة.
في شروط القول ببطلان القياس الدوري
إن قال قائل: فلِمَ قضيتم ببطلان البرهان الدوري ؟ ومعلوم أنه إذا سأل الإنسان عن الأسباب والمسبّبات على ما أجرى الله سنّته بارتباط البعض منها بالبعض، ففيها ما يرجع بالدور إلى الأول، إذ يقال: لِمَ كان السحاب؟ فيقال: لأنه كان بخارا فكتُف وانعقد. فقيل: لِمَ كان البخار ؟ فيقال: لأن الأرض كانت نَديّة، فأثّر الحرّ فيها، فتبخّرت أجزاء الرطوبة، وتصعّدت. فقيل: ولِمَ كانت الأرض نديّة ؟ فيقال: لأنه كان مطر. فقيل: ولِمَ كان المطر ؟ فيقال: لأنه كان سحاب. فرجع بالدور إلى السحاب، فكأنّه قيل: لِمَ كان السحاب ؟ فقلت لأنه كان السحاب. والدوري باطل، سواء كان الحدّ المتكرّر تخلّله واسطة، أو وسائط أو لم يتخلّل. فنقول: ليس هذا هو الدوري الباطل1. إنّما الباطل أن يؤخذ الشيء في بيان نفسه بعَينِهِ. بأن يقال: لِمَ كان هذا السحاب ؟ فيعلّل بما يرجع بالآخرة إلى التعليل بهذا السحاب بعَينِهِ. فأما أن يرجع إلى التعليل بسحاب آخر، فالعلّة غير المعلول بالعدد 2، إلاّ أنّه مساو له في النوع. ولا يبعد أن يكون سحاب بعينه علّة لسحاب آخر بواسطة ترطيب الأرض ثمّ تصعّد البخار، ثمّ انعقاده سحابا آخر.
أبو حامد الغزالي، معيار العلم في المنطق، ص 254، دار المعارف بمصر
تقديم المؤلف
الهوامش والمفاهيم
- "ليس هذا هو الدوري الباطل": يرفع الغزالي شُبهة حول المعايير التي يتحدّد بمقتضاها القول بالقياس الدوري.
- "العلّة غير المعلول بالعدد": يقصد بذلك أنّ السّحاب الأول غير السّحاب الثاني، رغم مماثلته له في النوع أي في كونهما سحاباً. وبالتالي لا يكون هناك دور في تفسير الشيء بنفسه.
المهام
- أعرّف دلالة القياس الدوري بالرجوع إلى أحد المعاجم الفلسفية.
- أحدّد طبيعة القياس الدوري ومكوّناته المنطقية من خلال المثال الوارد في النص.
- أبيّن الأسباب التي تقضي بفساد القياس الدوري وبطلانه منطقيا.
- أعيّن ما يُعتبر قياسا دوريا من بين هذه الاستدلالات:
- کل مجتهد ناجح - زید مجتهد - زيد ناجح.
- كل عاقل ذكيّ - الإنسان عاقل - الإنسان ذكيّ.
- كل المحبين للخير أثرياء - كل السّعداء يحبون الخير - كل السعداء أثرياء.
- كل إله غير فان - كل أزلي إله - كل أزلي غير فان.
إجابات مقترحة
الإجابة عن السؤال الأول:
القياس الدوري (Circular Reasoning): هو نوع من المغالطات المنطقية يحدث عندما يستخدم الاستدلال نتيجته الخاصة كمقدمة لإثبات تلك النتيجة. بمعنى آخر، يكون الاستنتاج معتمداً على مقدمة تفترض صحة ذلك الاستنتاج ذاته. يسمى أيضاً "الدور" أو "المصادرة على المطلوب" (Begging the Question).
في المنطق الفلسفي، يعتبر القياس الدوري قياساً فاسداً لأنه لا يقدم أي تقدم في المعرفة أو الإثبات، بل يعيد صياغة الفرضية نفسها بشكل مختلف.
الإجابة عن السؤال الثاني:
طبيعة القياس الدوري في مثال النص:
يقدم الغزالي مثالاً توضيحياً لدورة تفسيرية:
1. السؤال الأول: لِمَ كان السحاب؟
الجواب: لأنه كان بخاراً فكتف وانعقد.
2. السؤال الثاني: لِمَ كان البخار؟
الجواب: لأن الأرض كانت ندية، فأثر الحر فيها فتبخرت أجزاء الرطوبة وتصعدت.
3. السؤال الثالث: لِمَ كانت الأرض ندية؟
الجواب: لأنه كان مطر.
4. السؤال الرابع: لِمَ كان المطر؟
الجواب: لأنه كان سحاب.
التحليل: هنا نعود إلى النقطة الأولى (السحاب) مما يشكل دورة تفسيرية. مكوناته المنطقية:
- العلاقة السببية: سلسلة من العلاقات السببية المترابطة.
- الدورية: العودة إلى نقطة البداية في السلسلة السببية.
- الافتقار إلى أساس مستقل: كل حلقة في السلسلة تعتمد على الحلقة التالية دون وجود أساس ثابت.
الإجابة عن السؤال الثالث:
أسباب فساد القياس الدوري وبطلانه منطقياً:
1. عدم تقديم إثبات حقيقي: القياس الدوري لا يثبت شيئاً جديداً، بل يعيد صياغة الفرضية نفسها بشكل مختلف.
2. الافتقار إلى الأساس المستقل: في القياس الصحيح، يجب أن تكون المقدمات مستقلة عن النتيجة ومقدمة سابقة عليها في المعرفة.
3. خرق قاعدة عدم التناقض: عندما يكون الشيء هو علة نفسه، فهذا يتناقض مع مفهوم العلة الذي يفترض تمايزاً بين العلة والمعلول.
4. انعدام التقدم المعرفي: القياس الدوري لا يضيف أي معرفة جديدة، بل يدور في حلقة مفرغة.
5. التعارض مع مبدأ العلية: مبدأ العلية يفترض أن العلة تسبق المعلول وتختلف عنه، وهذا ما ينتهكه القياس الدوري.
6. عدم إمكانية التحقق التجريبي: يصعب التحقق من صحة القياسات الدورية لأنها تعتمد على افتراضات داخلية لا يمكن اختبارها خارج إطارها الدائري.
الإجابة عن السؤال الرابع:
الاستدلالات ومدى كونها قياساً دورياً:
1. کل مجتهد ناجح - زید مجتهد - زيد ناجح.
• النوع: قياس استثنائي صحيح.
• التحليل: هذا قياس منطقي سليم من الشكل الأول، لا يوجد فيه دور.
2. كل عاقل ذكيّ - الإنسان عاقل - الإنسان ذكيّ.
• النوع: قياس حملي صحيح.
• التحليل: قياس سليم لا يحتوي على دور.
3. كل المحبين للخير أثرياء - كل السّعداء يحبون الخير - كل السعداء أثرياء.
• النوع: قياس شرطي متصل.
• التحليل: هذا قياس صحيح منطقياً، ولا يعتبر دورياً.
4. كل إله غير فان - كل أزلي إله - كل أزلي غير فان.
• النوع: قياس دوري محتمل.
• التحليل: هذا القياس يحتاج إلى تحليل أعمق. إذا كان تعريف "الإله" مرتبطاً بصفة "الأزلية"، وصفة "الأزلية" مرتبطة بصفة "عدم الفناء"، وصفة "عدم الفناء" تعود لتعريف "الإله"، فقد نكون أمام قياس دوري. ولكن بشكل عام، هذا القياس يبدو ظاهرياً كقياس شرطي متصل سليم.
الخلاصة: لا يوجد قياس دوري واضح في الأمثلة المقدمة. القياس الدوري الحقيقي يكون عندما يستخدم الاستدلال نتيجته كإحدى مقدماته بشكل واضح.
تحليل النص
الأطروحة الأساسية:
يوضح الغزالي في هذا النص مفهوم القياس الدوري ويقدم تمييزاً دقيقاً بين الدورية الباطلة والدورية الظاهرية. يؤكد أن القياس الدوري الباطل هو الذي يعود لتعليل الشيء بنفسه بعينه، وليس مجرد وجود سلسلة من العلل والمعلولات تعود إلى نقطة بداية مماثلة في النوع ولكن مختلفة في العدد. يقدم الغزالي هذا التمييز رداً على شبهة حول معايير تحديد القياس الدوري الباطل.
آليات التمييز بين الدورية الباطلة والظاهرية:
يعتمد الغزالي على عدة آليات للتمييز بين الدورية الباطلة والظاهرية:
1. تمييز الهوية العددية عن الهوية النوعية: يؤكد أن تعليل الشيء بنفسه بعينه (الهوية العددية) هو ما يشكل الدور الباطل، أما تعليله بشيء آخر من نفس النوع (الهوية النوعية) فلا يعتبر دوراً باطلاً.
2. فهم طبيعة السلسلة السببية: يوضح أن السلاسل السببية الطبيعية قد تعود إلى نقطة بداية مماثلة دون أن تكون دورية باطلة، لأن كل حلقة في السلسلة تختلف عن الأخرى رغم تشابهها النوعي.
3. التمييز بين التعليل الذاتي والتعليل بعلة خارجية: يرفض التعليل الذاتي (أن يكون الشيء علة لنفسه) ويقبل التعليل بعلة خارجية حتى لو كانت من نفس النوع.
4. الأخذ بعين الاعتبار الوسائط: يؤكد أن وجود وسائط في السلسلة السببية لا يغير من طبيعة الدور إذا كان هناك تعليل للشيء بنفسه.
نتائج وخطورة القياس الدوري الباطل:
- تعطيل المعرفة: القياس الدوري الباطل يعطل تقدم المعرفة لأنه لا يقدم أي إثبات جديد.
- تضليل الفكر: قد يوهم القياس الدوري بأنه يقدم تفسيراً أو إثباتاً بينما هو مجرد إعادة صياغة للفرضية.
- انهيار المنطق الاستدلالي: إذا قبلنا القياس الدوري، فإنه ينهي إمكانية البرهان المنطقي لأن أي قضية يمكن "إثباتها" بدائرة مغلقة.
- إعاقة البحث العلمي: في البحث العلمي، يؤدي القبول بالقياس الدوري إلى إعاقة التقدم لأن الباحثين قد يقبلون تفسيرات لا تضيف معرفة جديدة.
- تأسيس المعتقدات على أساس واه: يمكن استخدام القياس الدوري لتأسيس معتقدات دون تقديم أدلة حقيقية عليها.
دلالات وأبعاد المفهوم:
يحمل تحليل الغزالي للقياس الدوري دلالات عميقة في الفلسفة والمنطق:
1. تطور الفكر المنطقي الإسلامي: يمثل النص تطوراً مهماً في الفكر المنطقي الإسلامي من خلال التحليل الدقيق للمغالطات المنطقية.
2. الجمع بين المنطق واللاهوت: يظهر كيف طبق المناطقة المسلمون المنطق الأرسطي على القضايا اللاهوتية والفلسفية.
3. التمييز بين الظاهر والجوهر: يؤكد على أهمية التمييز بين الظاهر المنطقي (السلسلة التي تعود إلى نقطة البداية) والجوهر المنطقي (تعليل الشيء بنفسه).
4. الأهمية المنهجية: يسلط الضوء على أهمية المنهج في البحث الفلسفي والعلمي، وضرورة تجنب المغالطات المنطقية.
5. العلاقة بين المنطق والعلوم الطبيعية: يوضح كيف يمكن تطبيق القواعد المنطقية على تفسير الظواهر الطبيعية.
6. الدروس المعاصرة: لا تزال مشكلة القياس الدوري ذات أهمية معاصرة في مختلف المجالات بما في ذلك العلوم الاجتماعية والنقاشات العامة.
هذا النص يمثل مساهمة مهمة في فهم أحد أهم أنواع المغالطات المنطقية وتوضيح شروط تحديدها بدقة.