مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: الخلط بين المقولات - أرسطو

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

لا شكّ أن الاتفاق في اللّسان شرط إمكان التواصل ولكنّه شرط ضروري وغير كاف، فقد نقول ونسمع نفس الشيء دون أن نقصد ونتمثّل نفس المعنى. وقد نعوّل على السياق لرفع ما يتخّل التواصل من سوء تفاهم، ولكن ما العمل عندما تكون المغالطة مقصدا واشتباه الدلالة وسيلة ؟

الخلط بين المقولات

أمّا فيما يخص الحجج المتعلّقة بشكل1 الخطاب، فإنّها تحصل عندما يُعبّر عن أشياء مختلفة بنفس الصورة، مثال ذلك تأنيث المذكّر أو تذكير المؤنّث أو اعتماد أحد هذين الجنسين للتعبير عن المحايد2. أو كذلك التعبير عن الكيف كما لو كان كمّا وعن الكمّ كما لو كان كيفا، وعن الفاعل كما لو كان منفعلا وعن المنفعل كما لو كان فاعلا3، إلى غير ذلك.

لأنّه قد يحدث مثلا أن نعبّر في الخطاب عمّا لا يقع تحت مقولة4 الفعل كما لو كان يقع تحت مقولة الفعل، وهكذا فإن العبارة: "ينعم بصحّة جيّدة." لهي على مستوى صورة الخطاب تشبه "يُقطع" و"يبني"، ومع ذلك يُعبّر الفعل الأوّل عن كيفيّة ما أي عن حالة ما ويعبّر الفعلان الآخران عن فعل ما. وهكذا الأمر في البقيّة.

أرسطو، الدحوضات السفسطائية. ترجمة لجنة التأليف، Réfutations sophistiques 166b - 167 a, p 13-14

تقديم المؤلف

أرسطو

أرسطو Aristote (385 ق م / 322 ق م): فيلسوف يونانيّ انتسب إلى الأكاديمية ليتتلمذ على أفلاطون، وبعد وفاة أستاذه تفرّغ لتأسيس مدرسته الفلسفيّة الخاصة المسمّاة بـ "الليسي" Lycee. نقد الجدليّة الأفلاطونيّة واستبدلها بالمنطق الذي يبحث في مبادئ الفكر والشروط الصوريّة لصلاحيّة الاستدلال التي تعصمه من الخطأ والمغالطة. وجّه البحث في الوجود من منظور واقعيّ يؤصّله في تضايف بين الصورة والمادة، وجعل من عالم الكون والفساد موضوعا للعلم، كما جعل من التجربة منطلقا لاستقراء أسس الممارسة في إطار الأخلاق والسياسة، فكان فيلسوفا موسوعيّا بامتياز ومكّنه ذلك من أن يكون رمز العصر الوسيط حيث جعله توماس الإكويني مرجع الفكر السكولائيّ ولقبّه العرب "بالمعلّم الأوّل". من أهمّ مؤلفاته: "الارغانون"، "الميتافيزيقا"، "السماع الطبيعيّ"، "في السماء"، "في النفس"، "أجزاء الحيوان"، "أخلاق إلى نيقوماخوس"، "السياسات".

الهوامش والمفاهيم

  • "شكل": يتحدّد الشكل من خلال مستوى لغوي ومستوى منطقي وكلاهما يتعلّقان بالمبنى مقارنة بالمعنى. فيمكن للقول أن يكون صائبا من الناحية اللغوية وصالحا من الناحية المنطقية دون أن يكون كذلك من ناحية المضمون.
  • "المحايد": تُميّز اللّغة الإغريقية في الأجناس بين المؤنّث والمذكّر والمحايد أي ما ليس بمؤَّنّث ولا بمذكّر. فسؤال "ما هذا؟" على سبيل المثال يُحيل في الإغريقية على المذكّر والمؤنّث والمحايد في ذات الوقت، وتبعا لذلك فعندما نفترض أنّ الأمر في سؤال المحاور يتعلّق بالمؤنّث مثلا، يستنتج المحاور أمرا يتعلَّق بالمذكّر أو بالمحايد. وهنا مكمن المغالطة.
  • "كما لو كان فاعلاً": "لفظ المفعول والفاعل فيما لا يختلف تصريفه كقولك اختار يختار اختياراً فهو مختار، أي يتميّز بالقدرة على الاختيار، وذلك مختار أي وقع عليه الاختيار من بين كثيرين. فالفاعل والمفعول به لهما صيغة واحدة ، بحيث يؤول هذا الالتباس إلى الخلط بين مقولتي الفعل والانفعال." (أورده الغزالي في محك النظر)
  • "مقولة": (categorie) هي الوجه المنطقي الذي تُبنى به القضيّة في الحديث عن الموجودات، بحيث تُحدّد أجناس وجودها كقولنا عن هذا البيت، من ناحية الكمّ، أنّه ضيّق أو واسع، ومن ناحية الكيف، أنّه أبيض أو أزرق، ومن ناحية المكان، أنّه في المدينة العتيقة. ولقد أحصى أرسطو عشر مقولات.
جدول المقولات العشر عند أرسطو:
المقولة المثال
جوهر رجل، حصان، شجرة ...
كمّ ثلاثة أمتار، خمس درجات ...
كيف أبيض، لغويّ، منطقيّ ...
علاقة أو نسبة ضعف، نصف، أكبر من ...
مكان في المعهد، في الساحة ...
زمان أمس، السنة الماضية، السنة المقبلة ...
وضع جالس، نائم، واقف ...
ملك أو حالة مسلّح، مجهّز، مرتَدٍ ...
فعل قطع، وصل، سكب ...
انفعال مقطوع، موصول، مسكوب ...

المهام

  1. أنظر في الاستدلالين التاليين وأحدّد مَوْضِعَ الخلط فيهما.
    الاستدلال الأوّل:
    من يفعل يتحمّل مسؤولية فعله.
    من يمرض يفعل.
    إذن من مرض يتحمّل مسؤولية مرضه.

    الاستدلال الثاني:
    إنّ كل من كان له شيءٍ ولم يُعُدْ له فَقَدْ فَقَدَهُ.
    زيد له عشرة جياد وفقَدَ واحدا منها.
    إذن زيد فَقَدَ العشرة جياد.
  2. أقرأ هذا الإشهار الملفوظ وأبحث عن مأتى المغالطة: "مائة في مائة من الفائزين شاركوا في هذا اليانصيب."

إجابات مقترحة

الإجابة عن السؤال الأول:

تحليل الاستدلال الأول:

1. مقدمة أولى: "من يفعل يتحمّل مسؤولية فعله" - صحيحة من الناحية المنطقية.

2. مقدمة ثانية: "من يمرض يفعل" - هنا تكمن المغالطة.

3. الخلط المقولي: الفعل "يمرض" لا ينتمي إلى مقولة الفعل بالمعنى الأرسطي بل إلى مقولة الانفعال. المرض ليس فعلاً إرادياً اختيارياً بل هو حالة تحدث للإنسان (انفعال).

4. النتيجة الخاطئة: "إذن من مرض يتحمّل مسؤولية مرضه" - هذه النتيجة غير صحيحة لأنها تعتمد على خلط بين مقولة الفعل (الإرادي) ومقولة الانفعال (غير الإرادي).

تحليل الاستدلال الثاني:

1. مقدمة أولى: "إنّ كل من كان له شيءٍ ولم يُعُدْ له فَقَدْ فَقَدَهُ" - صحيحة منطقياً.

2. مقدمة ثانية: "زيد له عشرة جياد وفقَدَ واحدا منها" - صحيحة واقعياً.

3. الخلط المقولي: الخلط هنا بين "الشيء" كمفهوم كلي يشمل المجموع وأجزائه، و"الشيء" ككل منفرد. فقدان جزء من الشيء لا يعني فقدان الكل.

4. النتيجة الخاطئة: "إذن زيد فَقَدَ العشرة جياد" - هذه النتيجة خاطئة لأنها تعمم فقدان الجزء على فقدان الكل.

الإجابة عن السؤال الثاني:

تحليل الإشهار: "مائة في مائة من الفائزين شاركوا في هذا اليانصيب."

1. المغالطة الإحصائية: هذه العبارة صحيحة من الناحية المنطقية ولكنها مضللة.

2. الخلط المقولي: الخلط هنا بين:
- الفائزين: هم فقط الذين شاركوا وفازوا.
- المشاركين: هم جميع الذين شاركوا سواء فازوا أم لم يفوزوا.

3. التضليل: العبارة توحي بأن المشاركة في اليانصيب تؤدي حتماً إلى الفوز، بينما الحقيقة أن الفائزين هم جزء فقط من المشاركين.

4. المغالطة المنطقية: هذه العبارة تمثل مغالطة "الاحتكام إلى السلطة الإحصائية" بشكل مضلل، حيث تستخدم إحصائية صحيحة (100% من الفائزين شاركوا) لتوحي باستنتاج خاطئ (المشاركة تؤدي إلى الفوز).

5. التحليل المنطقي: العبارة لا تخبرنا عن نسبة الفوز بين المشاركين، بل تخبرنا فقط أن جميع الفائزين كانوا من المشاركين (وهو أمر بديهي).

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

يوضح أرسطو في هذا النص أحد أنواع المغالطات المنطقية التي تنشأ عن الخلط بين المقولات المختلفة. يؤكد أن الاتفاق في الشكل اللغوي لا يكفي لضمان صحة الاستدلال، فقد نستخدم نفس الصيغة اللغوية للتعبير عن أمور تنتمي إلى مقولات مختلفة، مما يؤدي إلى استنتاجات خاطئة. النص يسلط الضوء على أهمية التمييز الدقيق بين المقولات العشر لتجنب الوقوع في مغالطات شكلية تبدو صحيحة لغوياً ولكنها فاسدة منطقياً.

آليات الخلط بين المقولات:

يحدد أرسطو عدة آليات للخلط بين المقولات:

1. الخلط بين الأجناس النحوية: كالتأنيث والتذكير والحياد في اللغة الإغريقية.

2. الخلط بين الكم والكيف: التعامل مع الصفات الكمية كما لو كانت كيفية والعكس.

3. الخلط بين الفعل والانفعال: وهو ما يظهر في المثال الذي قدمه أرسطو حول الفعل "ينعم بصحة جيدة" الذي يعبر عن حالة (كيف) وليس عن فعل إرادي.

4. الاعتماد على التشابه الشكلي: استخدام نفس الصيغة اللغوية للتعبير عن مقولات مختلفة.

5. الاستغلال السياقي: استخدام السياق لإخفاء الخلط المقولي والتضليل.

نتائج وخطورة الخلط بين المقولات:

- تشويه الفكر النقدي: الخلط بين المقولات يعطل القدرة على التفكير النقدي الصحيح.

- تضليل الحوار: يمكن استخدام هذا النوع من المغالطات لتضليل الخصم في الجدال.

- تعطيل التواصل الفعال: عندما لا نميز بين المقولات، يصبح التواصل مضطرباً وغير دقيق.

- إعاقة البحث العلمي: في البحث العلمي، يؤدي الخلط بين المقولات إلى استنتاجات خاطئة وبناء نظريات على أسس واهية.

- استغلال في الخطاب السياسي والدعائي: كثيراً ما تستخدم هذه المغالطات في الخطاب السياسي والدعائي للتأثير على الجمهور.

دلالات وأبعاد المفهوم:

يحمل تحليل أرسطو للخلط بين المقولات دلالات عميقة في الفلسفة والمنطق واللغة:

1. أهمية التصنيف المنطقي: يبرز النص أهمية التصنيف الدقيق للأفكار والمفاهيم في بناء المعرفة.

2. العلاقة بين اللغة والمنطق: يوضح كيف يمكن للغة أن تكون مصدراً للمغالطات إذا لم ننتبه إلى البنية المنطقية الكامنة وراءها.

3. نقد الخطاب السفسطائي: يمثل النص جزءاً من نقد أرسطو للخطاب السفسطائي الذي يعتمد على المغالطات والتضليل.

4. أسس التفكير العلمي: يؤسس لمنهج التفكير العلمي القائم على التمييز الدقيق بين المفاهيم والمقولات.

5. الاستمرارية التاريخية: لا تزال مشكلة الخلط بين المقولات قائمة في عصرنا الحاضر في مختلف المجالات.

6. التطبيق المعاصر: يمكن تطبيق تحليل أرسطو على مغالطات عصرنا مثل مغالطات الإعلام والدعاية والإشهار.

هذا النص يمثل دعوة للانتباه إلى البنية المنطقية الكامنة وراء الخطاب، وعدم الاكتفاء بالشكل اللغوي الظاهري في تقييم صحة الاستدلالات.