مركز تعلم الفلسفة

تحليل النص: مفارقة أخيل والسلحفاة - جون ستوارت ميل

السنة الثالثة ثانوي - الفلسفة - تحليل النص

التمهيد

يعتقد الأفراد أنّهم حين يتكلّمون إنّما يستعملون علاماتٍ دقيقة الدلالة تُتيح لهم التواصل مع الآخرين والتعبير بوضوح عن مقاصدهم. غير أنّ هذا الاعتقاد لا يصمد كثيرا أمام ما يُعاين من التباس في الألفاظ يقود إلى سوء تفاهم بين المتكلّمين قد يُستغّل لغرض المغالطة. عندئذ يصبح من الضروريّ التخلّي عن الموقف الساذج من الألفاظ والعمل على فحص التباسها لإحباط محاولات استغلالها في المغالطة.

مفارقة أخيل والسلحفاة

إنّ التباس 1 عبارة "لا متناه" هو المغالطة الفعلية الحاضرة في المشكل المنطقيّ الطريف لأخيل والسلحفاة 2. وهو مشكل كاد يُفقد العديد من الفلاسفة صبرهم وفطنتهم، ومن بينهم الدكتور توماس براون 3 الذي يعتبره مشكلا غير قابل للحلّ ويُقدّر أنّه حجّة صالحة رغم كونه يُفضي إلى خطأ بيّن. وهو لم يتفطِّن في الأثناء إلى أنّ التسليم بذلك يَرُدّ العقل ذاته إلى الخلف 4. إنّ المغالطة ثاوية كما حدس ذلك هوبز 5 في الافتراض الضمنيّ 6 بأنّ ما يقبل القسمة إلى ما لانهاية له هو لا متناه.

لكنّ الحلّ الموالي (والذي لا يعود إليّ فضل اكتشافه) هو أدقّ وأوفى. وإليكم بدءا الحجّة على ذلك: إنّ أخيل يجري بسرعة تفوق السلحفاة بعشر مرّات، ومع ذلك، إذا كان للسلحفاة السبق فلن يُدركها أخيل أبدا. فلنفترض، فعلا، أنّ مسافة ألف قدم تفصل بينهما، فإنّه عندما يكون أخيل قد قطع هذه المسافة، تكون السلحفاة قد قطعت مائة قدم، وعندما يكون أخيل قد قطع مسافة المائة قدم هذه، تكون السلحفاة قد قطعت عشرة أقدام، وهكذا دواليك دائما إلى ما لا نهاية. يُمكن لأخيل، إذن، أن يجري دائما دون أن يُدرك السلحفاة أبدا.

والآن، إنّ عبارة "دائماً" الواردة في النتيجة تعني أيّ قدر من الزمن نريد افتراضه، بينما لا تعني عبارة "دائما" في المقدّمات مقدارا زمنيًا ما، وإنّما تعني أيّ عدد كان من تقسيمات الزمن. إنّها تعني أنّه بإمكاننا أن نقَسِّم ألف قدم على عشرة وأن نقَسِّم كذلك هذا الحاصل على عشرة وهكذا دواليك، قدر ما نريد، كما تعني أنّه لن تكون هنالك أبدا نهاية التقسيمات المسافة ولا لتقسيمات الزمن المستغرق في قطعها. غير أنّه بإمكاننا القيام بعدد من التّقسيمات لما هو في حدّ ذاته محدود. إنّ هذه الحجّة لا تبرهن على لا تناهي زمن غير الزمن المحدود بخمس دقائق. فما لم تنقضِ الدقائق الخمس فإنّ ما يتبقّى منها يكون قابلا للقسمة على عشرة وهذه العشرة على عشرةٍ قدر ما نريد من المرّات، وهو ما يتلاءم جيّدا مع واقع أنّ الكلّ لا يساوي غير خمس دقائق. وإجمالا، فإنّ الحجّة تُثبت، أنّ قطع هذه المسافة المتناهية يقتضي زمنا قابلا للقسمة إلى ما لانهاية وليس زمنا لا متناهيا. وذلك هو الخلط الذي يُمثّل مكمن قوّة هذه المغالطة كما قد تفطّن إلى ذلك هوبز.

جون ستوارت ميل، نسق المنطق الاستنتاجيّ والاستقرائيّ، الكتاب الخامس: في المغالطات، ترجمة لجنة التأليف، Système de logique déductive et inductive, liv5, des sophismes, p 80-81

تقديم المؤلف

جون ستوارت ميل

جون ستوارت ميل (1806-1873) فيلسوف ورجل اقتصاد إنجليزي ليبرالي النزعة عصامي التكوين، حذق لغات عديدة وبرع في الرياضيات والمنطق منذ حداثة سنه، من منظري النزعة النّفعيّة انتخب نائبا بمجلس العموم البريطاني دافع عن حق المرأة في الانتخاب وكان ذلك من بين أسباب عدم إعادة انتخابه. من بين مؤلفاته: مبادئ الاقتصاد السياسي (1848)، الحرية (1859)، النزعة النفعية (1861)، في استعباد النساء (1869)، نسق المنطق الاستنتاجي والاستقرائي (1869 ط 6).

الهوامش والمفاهيم

  • "الالتباس": هو صفة للألفاظ التي تتعدّد معانيها، وهو تعدّد ينجم عن دلالة اللفظ في حدّ ذاته أو عن ارتباطه بألفاظ أخرى في سياق الجملة أو عن أشكال استعماله في مقامات الكلام فيكون بذلك قابلا لأن يُفهم بأشكالٍ متعدّدة تحدث خلطا وتداخلا وتعارضا. وتُستغلّ هذه الصّفة في التّغليط أو توقع في الغلط بالخلط بين مختلف الدلالات عند استعمال الألفاظ في بناء قضايا الاستدلال.
  • "حجّة أخيل والسلحفاة": هي حجّة من بين أربع حجج قدّمها الفيلسوف اليوناني زينون الإيليّ (ولد حوالي 490 ق م في مدينة إيلي Elee ولا يُعلم تاريخ وفاته) دفاعا عن نظريّة أستاذه بارمنيدس القائلة إنّ الوجود واحد، ورفضا للقول بالتعدّد والحركة لكونه قولاً يقود إلى مفارقات عديدة تثبت مدى تناقضه العقليّ والفعليّ.
  • "توماس براون": (1778 - 1820): فيلسوف اسكتلندي ينتمي إلى مدرسة "الحسّ المشترك" common sense الفلسفيّة. عُرف بنقده لموقف هيوم من السببيّة.
  • "يردّ العقل ذاته إلى الخلف": هنا يُفصح ميل عن الرهان من الكشف عن المغالطة الثاوية في مفارقة أخيل والسلحفاة وهو الدفاع عن العقل نفسه من خطر الوقوع في الخلف إن هو استسلم إلى ما آل إليه موقف توماس براون من تناقض حين رأى في تلك المفارقة حجّة صالحةً من جهة، وخطأ بيّنا من جهة أخرى.
  • "توماس هوبز": فيلسوف انجليزي (1588 - 1679)، عُرف بموقفه الخبريّ الذي يرى أنّ المعرفة إنّما تجد منطلقها في تأثيرات الواقع الحسيّ في الذات. ومن هذه التأثيرات تتكوّن تصوّرات جزئيّة يعبّر عنها الإنسان بألفاظ تشكّلت اعتباطيا، لذلك أنكر وجود أفكار عامة مؤكّدا موقفه الاسمانيّ (nominaliste).
  • "الافتراض الضمنيّ": هو ما يسلّم به حكمٌ ما ويعتمده كمنطلق دون الإعلان عنه بشكلٍ صريح. وفي ذلك ما يفيد أنّ المغالطة لا يُكشف خللها إلا بتقصّ لمفترضاتها التي تنطلق منها دون الإعلان عنها في سياق القضايا التي تعتمدها.

المهام

  1. أعود إلى معجم فلسفيّ لأحدّد دلالة عبارة "لا متناه".
  2. أبّن ما إذا كان كل ما يقبل القسمة إلى ما لا نهاية هو لا متناه ؟

إجابات مقترحة

الإجابة عن السؤال الأول:

دلالة عبارة "لا متناه" (Infinite): هو ما ليس له حدود أو نهاية، سواء في المكان أو الزمان أو العدد. في الفلسفة والرياضيات، اللاّمتناهي هو مفهوم يُشير إلى ما هو غير محدود، غير متناه، لا ينتهي.

هناك نوعان من اللاّمتناهي:
1. اللاّمتناهي بالامتداد (Actual Infinite): وهو وجود كميّة لا نهائية موجودة فعلياً في وقت واحد.
2. اللاّمتناهي بالاستمرار (Potential Infinite): وهو عملية يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية دون أن توجد كلية لا نهائية في وقت واحد.

في نص ميل، المشكلة تكمن في الخلط بين "القابل للقسمة إلى ما لا نهاية" (وهو متناهٍ لكن يمكن تقسيمه إلى عدد لا نهائي من الأجزاء) و"اللاّمتناهي" (الذي لا حدود له).

الإجابة عن السؤال الثاني:

التحليل:

لا، ليس كل ما يقبل القسمة إلى ما لا نهاية هو لا متناه. وهذا هو جوهر المغالطة في مفارقة أخيل والسلحفاة كما أوضح جون ستوارت ميل.

التمييز الأساسي:

1. المتناهي القابل للقسمة إلى ما لا نهاية (Divisible Infinitely):
- كمية محدودة يمكن تقسيمها إلى عدد لا نهائي من الأجزاء الأصغر.
- مثال: المسافة بين نقطتين (1000 قدم) يمكن تقسيمها إلى نصفين، ثم ربع، ثم ثمن... إلى ما لا نهاية.
- الزمن المحدود (5 دقائق) يمكن تقسيمه إلى عدد لا نهائي من الفترات الزمنية الأصغر.

2. اللاّمتناهي (Infinite):
- كمية غير محدودة، ليس لها نهاية.
- مثال: خط مستقيم بلا بداية ولا نهاية، زمن سرمدي بلا بداية ولا نهاية.

الخلط في المفارقة:
- يخلط زينون بين "المسافة القابلة للقسمة إلى ما لا نهاية" (وهي متناهية) و"المسافة اللاّمتناهية".
- يخلط بين "الزمن القابل للقسمة إلى ما لا نهاية" (وهو متناه) و"الزمن اللاّمتناهي".

الاستنتاج: قطع مسافة متناهية (1000 قدم) في زمن متناه (5 دقائق) مع أن المسافة والزمن قابلان للتقسيم إلى ما لا نهاية من الأجزاء. القدرة على التقسيم اللامتناهي لا تعني أن الكل نفسه لا متناهٍ.

تحليل النص

الأطروحة الأساسية:

يكشف جون ستوارت ميل في هذا النص عن المغالطة المنطقية الكامنة في مفارقة أخيل والسلحفاة لزينون الإيلي، ويؤكد أن جوهر هذه المغالطة يكمن في الخلط بين مفهومين مختلفين: "القابل للقسمة إلى ما لا نهاية" و"اللاّمتناهي". يوضح ميل أن المسافة المتناهية والزمن المتناهي يمكن تقسيمهما إلى عدد لا نهائي من الأجزاء دون أن يعني ذلك أن المسافة نفسها أو الزمن نفسه لا متناهٍ.

آليات المغالطة في مفارقة أخيل والسلحفاة:

يحدد ميل عدة آليات للمغالطة في هذه المفارقة:

1. الخلط الدلالي: الخلط بين "القابل للقسمة إلى ما لا نهاية" و"اللاّمتناهي" كما يشير هوبز.

2. الافتراض الضمني الخاطئ: افتراض أن ما يقبل القسمة إلى ما لا نهاية هو بالضرورة لا متناهٍ.

3. التلاعب باللغة: استخدام عبارة "دائماً" بمعنيين مختلفين:
- في المقدمات: تعني أي عدد من التقسيمات.
- في النتيجة: تعني أي قدر من الزمن.

4. إغفال التمييز بين المتناهي واللامتناهي: تجاهل أن الكل المتناهي يمكن أن يحتوي على عدد لا نهائي من الأجزاء المتناهية.

5. الخلط بين الرياضيات والواقع: تطبيق العمليات الرياضية المجردة (التقسيم إلى ما لا نهاية) على الواقع الفيزيائي دون مراعاة الفروق.

نتائج وخطورة هذه المغالطة:

- تشويه الفهم الفلسفي: قد تؤدي هذه المغالطة إلى استنتاجات خاطئة عن طبيعة الحركة والزمان والمكان.

- تضليل الفكر النقدي: كما يوضح ميل، قبول هذه المغالطة "يرد العقل ذاته إلى الخلف".

- إعاقة التقدم العلمي:
- خلق تناقضات وهمية: تقديم تناقضات ظاهرية بين العقل والتجربة.

- استغلال في الجدل الفلسفي:
- صعوبة الكشف:

دلالات وأبعاد المفهوم:

يحمل تحليل ميل لمفارقة أخيل والسلحفاة دلالات عميقة في الفلسفة والمنطق والرياضيات:

1. أهمية الدقة المفاهيمية: يؤكد النص على ضرورة الدقة في استخدام المفاهيم الفلسفية والرياضية.

2. العلاقة بين اللغة والمنطق:
3. التمييز بين المتناهي واللامتناهي:
4. يمثل النص جزءاً من النقد الحديث للفلسفة اليونانية ومفارقاتها.

5. التقدم في فهم اللامتناهي:
6. أهمية المنهج العلمي:
7. الدفاع عن العقل:
هذا النص يمثل مساهمة مهمة في حل واحدة من أشهر المفارقات في تاريخ الفلسفة، ويكشف عن الآليات الدقيقة للمغالطات المنطقية التي تعتمد على الخلط بين المفاهيم.